تمثّل دول مجلس التعاون الخليجي محيطًا جيوسياسيًا بالغ الأهمية لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وعلى رأسها جهازي جهاز الاستخبارات الخارجية “الموساد” وجهاز الاستخبارات العسكرية التابعة لهيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي “أمان”.
تاريخيًا، لا يبدو تاريخ المواجهات المباشرة بين إسرائيل ودول الخليج حافلاً. رغم ذلك، شهدت الأعوام الأخيرة تحولات استراتيجية تجعل من نشاط الموساد في دول الخليج خيارًا استراتيجياً بالنسبة لتل أبيب. ولئن كان الصراع مع إيران قاسمًا مشتركًا ودافعًا لما شهدناه من تقارب أمني بين بعض دول الخليج وإسرائيل؛ إلا أن القضايا الحساسة مثل ممانعة دول مثل السعودية وقطر والكويت للتطبيع والدعم الخليجي لحل الدولتين وممانعة دول الخليج للدخول في أي مواجهة مباشرة مع طهران وأسباب أخرى، تتموضع كأرض خصبة وبالغة الأهمية لعمليات التجسس الإسرائيلية.
خلال العقد الماضي، طوّر الموساد الإسرائيلي من أساليبه وعملياته بشكل لافت بهدف التغلغل في عديد دول الطوق بالإضافة إلى تعتبرها تل أبيب دولاً معادية. وفي الحقيقة، حتى الدول الحليفة لإسرائيل كالولايات المتحدة وبريطانيا كانت مسرحًا لعمليات وأنشطة الموساد.
في منطقة الخليج، تتخذ عمليات الموساد طابعًا مزدوجًا، الطابع الأول أنها عمليات علنية وتعاونية خصوصًا بعد اتفاقيات التطبيع “السلام الإبراهيمي” مع كل من الإمارات والبحرين. نستذكر هنا تصريح نائب وزير الخارجية البحرينية السابق، الشيخ عبد الله بن أحمد آل خليفة، خلال مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير 2022، حيث أكد أن “هناك تعاون استخباراتي بين البحرين وإسرائيل” وأن “الموساد موجود في البحرين، وهو حاضر في المنطقة”. الطابع الثاني – الذي يهتم هذا التقرير به – هي عمليات الموساد السرية والعدائية التي تتحرك وتدار بما تقتضي مصالح إسرائيل الأمنية.
استنادًا إلى سجل عملياته وخبراته، يستعرض هذا التقرير أبرز أساليب الموساد خلال السنوات العشر الماضية ثم يحاول استشراف نمط سلوكه المتوقع في دول الخليج خلال السنوات المقبلة. يقدم التقرير أيضًا، تحليلاً للأهداف المحتملة لجهازي “الموساد” و”أمان” في دول الخليج وطرق الاختراق والتجنيد التي قد يعتمدها، كما نسلط الضوء على الثغرات الأمنية التي يمكن أن ينفذ منها، كذلك نقيّم قابلية دول الخليج للاختراق.
أنماط وأساليب عمل الموساد
يعتمد الموساد على نهج تكاملي يجمع بين جمع المعلومات الاستخبارية التقليدية والعمليات الخاصة عالية الجرأة والمخاطرة. في السنوات الأخيرة، كشفت عدة تقارير عن شبكات تجسس معقدة نسجها الموساد داخل دول معادية وصديقة على حد سواء.
وتتمثل إحدى أهم الأدوات البارزة التي استخدمها الموساد في استغلال الجاليات الأجنبية الكبيرة في البلدان المستهدفة. كشفت تقارير حديثة عن شبكة تجسس هندية – إسرائيلية تستغل وجود مئات آلاف الهنود العاملين في دول الخليج وفي إيران كحصان طروادة استخباراتي. يعمل هؤلاء الأجانب في قطاعات حساسة كشركات الاتصالات والبنوك والمطارات والموانئ وهو ما يتيح لهم الاطلاع على معلومات مهمة في مواقع عملهم بشكل هادئ. وتشير المعلومات إلى أن شركات هندية كبرى استُخدمت كواجهات تجارية لدعم النشاط التجسسي للموساد تحت غطاء تقديم الخدمات التقنية وتفيد هذه التقارير بأن الشبكة الهندية الإسرائيلية مكّنت الموساد من “السيطرة غير المباشرة على نقاط بنية تحتية حيوية في الخليج”.
يعمد الموساد على دراسة نقاط الضعف النفسية والمادية للأشخاص المستهدفين والعمل على اشباعها. ونظرًا لصعوبة تحرك الإسرائيليين بهوياتهم الحقيقية، يعتمد الموساد على تجنيد عملاء من جنسيات أخرى لقيادة الخلايا وتوجيه المتعاونين. من الأمثلة البارزة في هذا السياق تجنيد عرب وأوروبيين كواجهة. في عام 2010، حين نفّذ الموساد عملية اغتيال القيادي في حماس محمود المبحوح في دبي استخدم الموساد فريق اغتيال متعدد الجنسيات استخدم جوازات سفر أوروبية مزورة بمساعدة ما يعرف بشبكات الظل التي تتمثل في نشطاء ومتعاونين مع الموساد يطلب منهم الإقامة في دول غربية بشكل طبيعي وتجنب زيارة إسرائيل إلا بعد ترتيبات خاصة، من أهم هذه الترتيبات تجولهم بهويات متعددة داخل إسرائيل وخارجها.
التعاون مع أجهزة مخابرات إقليمية
في السنوات العشر الأخيرة، عزز الموساد من خطط التعاون مع بعض أجهزة الاستخبارات الإقليمية والدولية بناءً على تقاطع المصالح ضد خصوم مشتركين. تكشف التقارير عن تحالف وثيق بين الموساد وجهاز الاستخبارات الهندي (RAW) تمخّض عن شبكة التجسس الهندية في الخليج المذكورة آنفًا. تعود جذور هذا التحالف إلى التعاون إبّان حرب كارغيل 1999 بين الهند وباكستان. كذلك، يجدر الالتفات إلى التنسيق الأمني المتزايد بين إسرائيل وبعض دول الخليج. حتى قبل تطبيع العلاقات، كان مسؤولو الموساد زوارًا دائمين لبعض دول الخليج. قدم الموساد لهذه الدول معلومات دقيقة وحاسمة عن سياسيين ونشطاء وصحفيين من جماعات الإسلام السياسي (الإخوان المسلمين والجماعات الشيعية)، كذلك أشرف على تزويدها بتقنيات تنصت واختراق كان لها مفعول السحر على الأجهزة الأمنية في دول الخليج التي وجدت أن التعاون مع الموساد والاستفادة من تقنياته المتطورة سحرًا لا يمكن مقاومته.
في المحصلة، كان تبادل الخبرات التقنية والأمنية يستلزم استقدام شركات إسرائيلية مختصة بالأمن السيبراني للعمل في الخليج وتوظيف خبراء إسرائيليين (ضباط متقاعدون) في شركات إماراتية. هذا التعاون وفّر للموساد موطئ قدم رسمي داخل دول الخليج وأصبح يستخدم كقناة لجمع معلومات حساسة خارج إطار الشراكة مع الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في دول الخليج. وكما استفاد الموساد من شركات التكنولوجيا الإسرائيلية التي زوّدت بعض دول الخليج عديدة ببرمجيات تجسس مثل برنامج بيغاسوس الشهير. تشير بعض التحليلات إلى أن دول الخليج أتاحت للموساد – دون دراية منها – منفذًا إلى تلك البيانات حيث لا شك أن هذه البرمجيات تحتوي على أبواب خلفية تسمح بتدفق المعلومات إلى إسرائيل. ورغم عدم وجود أدلة معلنة على إساءة الاستخدام إلا أننا نتحدث عن بيئة أعمال استخباراتية يجوز فيها كل شيء.
العمليات الخاصة النوعية
يُعرف عن الموساد الجرأة في تنفيذ جملة من العمليات. تتصدر في هذا السياق عمليات الموساد في استهداف البرنامج النووي الإيراني وعلماء نوويين تفجير المنشآت الإيرانية وكذلك اغتيال القيادي في حماس إسماعيل هنية.
يعتمد الموساد على استخدام عملاء محليين في الداخل وعلى إدخال أدوات التفجير عبر الحدود. إن دولاً خليجية، وبالخصوص قطر، تبدو عرضة إلى أن يلجأ الموساد فيها إلى عمليات اختطاف أو اغتيال لبعض قادة حركة حماس الذين يقيمون فيها، مستفيدًا من خبرته السابقة في التحرك بسرية عالية داخل المدن الخليجية، تمامًا كما فعل في دبي عام 2010.
أهداف الموساد في دول الخليج
يمكن استقراء أبرز الأهداف التي يسعى إليها الموساد داخل دول الخليج خلال السنوات المقبلة بين ما هو استراتيجي طويل الأمد وما هو تكتيكي ظرفي، ويمكن تلخيصها فيما يلي:
أولاً: مراكز تتبع ومراقبة في الصراع مع إيران
تعتبر إيران الهاجس الأمني الأول لإسرائيل، وبطبيعة الحال، جهاز الموساد هو خط المواجهة الأمامي في تعقّب أنشطة طهران. وتشكل دول الخليج بحكم قربها الجغرافي من إيران وعلاقاتها المتوترة مع طهران ساحات مهمة لرصد التحركات الإيرانية. وبالتعاون مع بعض أجهزة الاستخبارات الخليجية، من المتوقع أن يهدف الموساد إلى جمع ما يستطيع من معلومات حول إيران. وبشكل منفرد وخارج إطار التعاونات الثنائية، سيكون الموساد مهتمًا بتتبع ورصد طبيعة أي تعاون سياسي أو عسكري أو اقتصادي بين دول الخليج وإيران، وفي هذا الخصوص، ستكون دول مثل سلطنة عمان وقطر والكويت والسعودية تحت الرصد.
في سياق متصل، من المتوقع أن يهتم الموساد بمراقبة الدعم الإيراني لحركة الحوثيين في اليمن ومتابعة أنشطة الجيش الإيراني والحرس الثوري في مياه الخليج. وتشير تقارير استخبارية غربية إلى قلق إسرائيلي من مشاريع عسكرية خليجية فيها بصمة إيرانية أو صينية، مثل مشروع قاعدة الفضاء الجديدة في عُمان الذي تراقبه أقمار تجسس إسرائيلية مخافة استخدامه لأغراض عسكرية لصالح إيران. لذلك، سيكون تعزيز المراقبة التقنية وتجنيد مخبرين محليين داخل دول الخليج لتتبع الأنشطة الإيرانية من أولويات الموساد.
ثانيًا: التجسس على الدول شبه المعادية
رغم أن قطر وسلطنة عمان كانتا أول دول الخليج تطبيعًا للعلاقات مع إسرائيل منذ عام 1996 فيما عرف آنذاك بمكاتب رعاية المصالح التجارية، تبدو علاقات تل أبيب مع كل من مسقط والدوحة اليوم في أسوأ حالاتها. تمثل حرب غزة أكتوبر 2023 منعطفًا خطيرًا في علاقات هذه الدول، تنهم إسرائيل قطر كتوفير ملاذ آمن لقيادات حماس ودعم الأخيرة من خلال قناة الجزيرة التي قامت إسرائيل بإغلاق مكاتبها. تبرر قطر استضافة قيادات حماس باعتبارها استجابة لطلب أمريكي ولتسهيل مسار المفاوضات لكنها لا تتنصل عن مواقفها المنددة بالحرب الإسرائيلية على غزة. بالتوازي، كان موقف سلطنة عمان الحاسم من الحرب الإسرائيلية على غزة تطورًا لافتًا في مسار السياسة الخارجية للسلطنة، وبالخصوص مواقف وزير الخارجية العماني السيد بدر بن حمد البوسعيدي ومفتي السلطنة الشيخ أحمد الخليلي.
ومع كون كل من سلطنة عمان وقطر حليفين مهمين للولايات المتحدة، تبدو إسرائيل عاجزة عن تصنيف كل من قطر وسلطنة عمان كدول معادية، لكنها، سياسياً وإعلاميًا، واستخباراتياً بالضرورة، تتعامل مع الدولتين باعتبارهما دولًا شبه معادية.
من المتوقع أن تكون سلطنة عمان وقطر مسرحًا كبيرًا لعمليات الموساد في التجسس على الدوائر السيادية والسياسية والاقتصادية والأمنية والاستخباراتية، كذلك في تتبع قيادات حماس المقيمة في قطر كما ذكرنا سابقًا.
في 15 يوليو 2024، شهد مسجد الإمام علي الواقع بحي الوادي الكبير في العاصمة مسقط عملية إرهابية حين
فتح ثلاثة إخوة عمانيون النار على المصلين الشيعة داخل المسجد وخارجه. وأسفرت الحادثة عن مقتل ستة أشخاص (بما في ذلك رجل شرطة)، وإصابة ما يتراوح بين 28 إلى 50 شخصًا. ورغم إعلان تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مسؤوليته عن الهجوم إلا أن تقارير غير رسمية تحدثت عن أن التوقيت غامض وقد يشي بأن للموساد الإسرائيلي دورًا فيه.
ثالثًا: برامج التسلح والتقنية العسكرية الخليجية
لا تعتبر دول الخليج تهديدًا مباشرًا لإسرائيل. رغم ذلك، تحرص تل أبيب على مراقبة أي تطور عسكري في المنطقة قد يؤثر على تفوقها. يظهر هذا بشكل واضح في قضية مشروع الغواصات القطرية حيث اعتبرت إسرائيل مساعي قطر لامتلاك غواصات متقدمة تهديدًا محتملًا. وبالفعل، كُشف مؤخرًا عن تورط الموساد في التجسس على هذا المشروع عبر عناصر هندية قدمت معلومات سرية عن خطط قطر لشراء غواصات إيطالية. وكانت إسرائيل قد عارضت بشدة بيع مقاتلات F-15 إلى السعودية ورأت أن ذلك سيخلّ بالتفوق الجوي الإسرائيلي واشترطت على واشنطن حينها تقليص بعض قدرات الطائرات مثل تقليل المدى والقدرات الهجومية، وهو ما تكرر حين رفضت إسرائيل حصول دول خليجية (السعودية والإمارات) على مقاتلات F-35 الشبحية حتى بعد توقيع “اتفاقات أبراهام” (2020).
بناءً على ذلك، من المرجح أن تشمل أهداف الموساد مراقبة برامج تطوير الصواريخ الباليستية والمسيرات في السعودية. ومن المتوقع أيضأ، أن يعمد الموساد للتجسس والتنصت على وزارات الدفاع السعودية والإماراتية والقطرية ومؤسسات التصنيع العسكري فيها. كل ذلك بهدف استباق أي تحول يخل بالتوازن العسكري الإقليمي
كذلك من المؤكد أن تخضع مشاريع الطاقة النووية المدنية التي قد تمهد لقدرات نووية مستقبلية لمراقبة الموساد عبر التجسس والحصول على صور الأقمار الصناعية والوثائق الداخلية وأحاديث الخبراء المتعلقة بهذه البرامج.
رابعًا: إحباط تمويل فصائل معادية لإسرائيل
تنظر إسرائيل بريبة إلى علاقات بعض دول الخليج، وبالخصوص كل من قطر والكويت وسلطنة عمان، مع بعض الفصائل الفلسطينية والجماعات الإسلامية التي تعتبرها تنظيمات معادية.
من الأهداف المحتملة للموساد التجسس وزارات سيادية في قطر والكويت وسلطنة عمان، كذلك التجسس على الشبكات المالية والإعلامية المرتبطة بتلك الفصائل داخل الخليج.
من المتوقع أن يسعى الموساد إلى زرع عملاء داخل البنوك والمصارف وشركات التحويل والصرافة في هذه الدول لمراقبة التحويلات المالية، كذلك التنصت على الاتصالات بين قيادات هذه الجماعات والمتعاطفين معها. يُذكر أن اتهامات سابقة قد وجِّهت لإيران بمحاولة استغلال البحرين والكويت لتهريب أسلحة لخلايا مرتبطة بها، مما يعني أن الموساد سيكون له مصلحة في تتبّع هذه النشاطات وإحباطها بالتعاون مع الأجهزة المحلية أو بشكل سري.
بالتوازي، من المتوقع أن يقوم الموساد بالتجسس على المؤسسات الخيرية والاجتماعية في هذه الدولة ومراقبة حركة أموالها وقوائم المتعاونين معها بما يشمل رجال الأعمال.
خامسًا: التأثير على قرارات التطبيع والتضليل الاستخباراتي
سياسيًا، سيكون هدف الموساد معرفة توجهات صنّاع القرار الخليجيين إزاء إسرائيل، كذلك تحالفات دول الخليج ومسار سياساتها الخارجية، ومحاولة التأثير عليها وتوجيهها بما يضمن المصالح الإسرائيلية.
يمثل ملف التطبيع السعودي الإسرائيلي درة تاج الاهتمامات الاستخبارية لدى القيادة السياسية والموساد في إسرائيل. من المرجح أن يحاول الموساد استطلاع مواقف الدوائر الملكية والمؤسسة الأمنية في السعودية تجاه خيار تطبيع العلاقات مع تل أبيب بهدف تقديم تقارير دورية وموثوقة لصناع القرار الإسرائيلي حول فرص إقناع الرياض ونقاط التحفظ لدى السعوديين.
بالتوازي، من المتوقع أن يسعى الموساد في تعميق العلاقات الأمنية مع كل من الإمارات والبحرين لضمان ثبات التحالف الجديد. تزداد أهمية هذه المهام بعد المصالحة السعودية الإيرانية الأخيرة بوساطة صينية. وعليه، سيعمل الموساد في الكواليس إلى كشف أي نوايا إيرانية سلبية تجاه الخليج وتسريبها للشركاء الخليجيين بهدف إفساد التقارب أو فرملة اندفاعه، بما يشمل تزويد أجهزة الاستخبارات الخليجية، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بمعلومات وتقارير كاذبة حول إيران أو الصين أو جماعات الإسلام السياسي. الهدف الاستراتيجي هنا هو إبقاء دول الخليج أقرب لإسرائيل منه إلى خصومها عبر مزيج من تقديم المعلومات الأمنية الحيوية والتحذيرات، الصحيحة والكاذبة على حد سواء.
سادسًا: حماية البعثات والمصالح الإسرائيلية
من مهام الموساد كما هو الحال مع جميع الدول التي تقيم علاقات دبلوماسية مع تل أبيب، حماية المنشآت (السفارات) والسياسيين والأفراد الإسرائيليين في الخليج.
إن أي تهديد أمني لمواطني إسرائيل أو الدبلوماسيين أو رجال الأعمال في دول الخليج سيكون ضمن نطاق عمل الموساد بالتنسيق مع أجهزة أمن الدولة المضيفة أو رغمًا عنها. يشمل ذلك جمع معلومات عن أي خلايا إسلامية متطرفة أو حتى جماعات أو أفراد ناقمة قد تخطط لاستهداف إسرائيليين. من المتوقع أن يعمد الموساد إلى مراقبة الجاليات العربية والإيرانية في كل من الإمارات والبحرين لرصد أي عناصر قد تسعى لتنفيذ هجمات.
كما سيعمل الموساد على تأمين منصات التكنولوجيا الإسرائيلية العاملة في الخليج ضد الاختراق بما يضمن سلامة الاستثمارات الإسرائيلية ويسهل نشاطها. وبطبيعة الحال، إن أي معلومات داخلية قد يحصل عليها الموساد من خلال أداء دوره في حماية هذه المؤسسات وهؤلاء الأفراد سيتم توظيفها لخدمة الأهداف السابقة.
طرق الاختراق والتجنيد المتوقعة
من المرجح أن يعتمد الموساد في تنفيذ أهدافه على مزيج من وسائل الاختراق التقليدية والمبتكرة بما يتلاءم وطبيعة دول الخليج. وفيما يلي أبرز طرق الاختراق والتجنيد التي من المتوقع أن يستخدمها الموساد:
العمالة الأجنبية: تعيش في دول الخليج جاليات أجنبية ضخمة تشكل جزءً مهمًا من القوى العاملة، بينها ملايين الوافدين من دول جنوب آسيا والعرب والأوروبيين ومن دول أخرى. توفر هذه البيئة للموساد غطاءً بشريًا ممتازًا يمكن التغلغل من خلاله. وكما شرحنا سابقًا، استطاع الموساد من خلال شبكة التجسس الهندية في إيران والخليج توظيف عشرات الهنود العاملين في مشاريع حساسة لصالح استخبارات الهند وإسرائيل.
من المتوقع أن يواصل الموساد تجنيد العمال الوافدين في دول مثل الإمارات وقطر وعُمان والسعودية بشكل خاص. وبالنظر إلى تدني رواتب هؤلاء العمال، سيتم استدراجهم عبر الإغراءات المالية لاستقطابهم للقيام بأعمال التجسس بشكل مباشر أو عبر زرع برمجيات اختراق للأجهزة الالكترونية في مواقع عملهم. وفي هذا السياق، لا يُستبعد تجنيد بعض العرب المقيمين في دول الخليج إذ سبق أن تم الإعلان سابقًا عن تجنيد الموساد لأردنيين قدما إلى السعودية كمعتمرين عام 2018 لتنفيذ أجندات تجسسية.
الأعمال التجارية والتقنيات المتقدمة: تعمد جميع دول الخليج بشكل مطرد على تسهيل متطلبات إنشاء الشركات الدولية بهدف جذب الاستثمارات، وتشكل الشركات التجارية منفذًا مهمًا للاختراق.
من المتوقع أن يدفع الموساد بشركات استشارات في مختلف التخصصات بمشاركة إسرائيليين أو عملاء للموساد للعمل في الخليج. وإلى جانب الخدمات التي ستقدمها هذه الشركات للتغطية على أعمالها، ستكون تلك الشركات غطاءً لجمع المعلومات.
جدير بالذكر قيام شركة “دارك ماتر” الأمنية في الإمارات خلال السنوات الماضية بتوظيف خبراء إسرائيليين من خريجي وحدة 8200 السيبرانية. يمنح وجود هذه الكوادر الإسرائيلية داخل منظومات الاتصالات والمعلومات الخليجية لإسرائيل فرصة واعدة للاطلاع العميق وربما تركيب وسائل تنصت غير مرئية ضمن البنى التحتية. كما تم توثيق شركات خاصة عملت كواجهة تجنيد مثل شركة “دهرا” في قطر التي تبين أنها كانت غطاءً لنشاط تجسسي عمل فيها ضباط هنود وجهت لهم اتهامات بالتجسس قبل اعتقالهم. من المرجح أن يحرص الموساد على تشجيع قيام شراكات تجارية واستثمارات مشتركة بين إسرائيليين وخليجيين لتكون موطئ قدم مشروع. كذلك قد يستمر الموساد في تطوير برمجيات تصدَّر لدول الخليج في مجالات الأمن السيبراني والمدن الذكية.
اختراق أجهزة الاستخبارات والأمن الوطنية: رغم احترافية أجهزة الاستخبارات في دول الخليج، من المحتمل أن يسعى الموساد لتجنيد أفراد من داخل هذه الأجهزة أو بناء شبكات علاقات خاصة توفر للموساد معلومات من داخل هذه الأجهزة. قد يتم ذلك عبر استهداف ضباط استخبارات خليجيين أثناء تواجدهم في الخارج للدراسة أو للقيام بمهمات ومحاولة التقرب منهم.
مؤخرًا، بات من الممكن في دول مثل الإمارات والبحرين التواصل بين المسؤولين الأمنيين من القادة والضباط مع نظرائهم الإسرائيليين بشكل مشروع، ما قد يفتح الباب لمحاولات استمالة فردية سرية. في حال تعذر الأمر، قد يستبدل الموساد خيار التجنيد المباشر باعتراض الاتصالات والوثائق لهؤلاء الضباط ومراقبتهم شخصيًا.
الغطاء الدبلوماسي والسياحي: غالبًا ما تعمد أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية إلى زرع ضباطها كدبلوماسيين في السفارات والبعثات الدبلوماسية. وعليه، من المتوقع أن يضم طاقم السفارات الإسرائيلية في دول الخليج عناصر تابعة للموساد تعمل على جمع المعلومات ضمن ما يُسمح به دبلوماسيًا والتواصل مع رعايا دول أخرى على أرض تلك الدول.
ومع انفتاح دول الخليج على منح التأشيرات السياحية للمواطنين الإسرائيليين، من المحتمل أن يزداد دخول الإسرائيليين بجوازاتهم إلى دول الخليج بغرض السياحة أو التجارة. وهو ما يتيح احتمال تسلل عملاء بصفة رجال أعمال أو خبراء. في السياق ذلته، من السهل أن يدخل عميل الموساد بجنسية مزدوجة أوروبية كخبير في شركة دولية وأن يعقد اجتماعات مع مسؤولين أو مواطنين خليجيين دون إثارة أي شكوك. هذا الاندماج السلس في البيئة المحلية سيكون أداة أساسية لجمع المعلومات والاستقصاء.
الرصد التقني عن بعد (الاستخبارات الإشارية): من المتوقع أن تواصل إسرائيل الاستفادة من تفوقها التقني في مراقبة الاتصالات والبث الإلكتروني في الخليج عن بُعد. لدى الموساد وبقية الأجهزة الاستخباراتية في إسرائيل منظومة متقدمة من الأقمار الصناعية وطائرات الاستطلاع القادرة على اعتراض إشارات الاتصالات.
من المرجح أن تكثّف تل أبيب نشر أقمار تجسس موجهة للخليج ترصد القواعد العسكرية والموانئ ومواقع البنى التحتية الجديدة مثل مشروع ميناء الدقم العماني والمفاعلات النووية ومصانع الأسلحة في كل من السعودية والإمارات. تقدم هذه التقنيات للموساد تدفقًا مستمرًا من المعطيات قد لا تحتاج معها لعملاء بشر على الأرض إلا للتحقق الميداني. كما أن امتلاك بعض دول الخليج منظومات دفاع إسرائيلية كرادارات أو أنظمة اعتراض مسيرات أو حتى تقنيات تنصت على الهواتف قد يمكن إسرائيل من الحصول على بيانات مباشرة من تلك المنظومات والتقنيات. جدير بالذكر أن الإمارات اشترت في عام 2022 عددًا من أنظمة الصواريخ المضادة للطائرات SPYDER من إنتاج شركة Rafael الإسرائيلية.
توقعات وتوصيات
تكشف المعطيات السابقة عن أن دول الخليج ستواجه في السنوات المقبلة مشهدًا استخباراتيًا وأمنيًا معقّدًا، خصوصًا مع الدخول الكبير لجهاز الموساد الإسرائيلي إلى منطقة الخليج.
ورغم ما أحرزته دول الخليج من تقدم لافت في مجالات التقنية والبنية التحتية، تواجه هذه الدول ثغرات بنيوية وأمنية تجعلها عرضة لاختراقات ممنهجة. ويمكن تلخيص أبرز مواطن الضعف التي قد يستغلها الموساد في النقاط التالية:
الاعتماد المكثف على العمالة الأجنبية: لا سيما في القطاعات الحساسة كالاتصالات والطاقة والدفاع، وهو ما يخلق بيئة خصبة للتسلل الاستخباراتي، خصوصًا وسط جاليات كبيرة يصعب مراقبتها بدقة.
قصور الأمن السيبراني: تعتمد غالبية دول الخليج على خدمات سحابية دولية، ما يفتح نوافذ رقمية للتجسس والتخريب الإلكتروني. يضاف إلى ذلك اعتماد دول الخليج على عمالة أجنبية في بنيتها الاتصالية ما يسهل اختراقها وتجنيد والعاملين فيها.
تفاوت قدرات الأجهزة الاستخباراتية الخليجية: هناك تفاوت وازن في الخبرة والكفاءة بين الدول الكبرى مثل السعودية والإمارات وقطر، والدول الأقل انخراطًا أمنيًا كالكويت وعُمان والبحرين، ما يوفر للموساد بيئات “أقل حساسية وخطورة” للعمل فيها.
الانفتاح الاستثماري والسياحي المتسارع: يوفر الانفتاح الاستثماري غطاءً مثاليًا لعناصر الاستخبارات الأجنبية، خاصة في ظل التسهيلات والتراخيص الواسعة وإنشاء مناطق تجارية وإعلامية حرة.
العوامل الداخلية الخاصة بكل دولة: تمثل الصراعات السياسية أو التوترات المذهبية داخل دول الخليج، فرصًا سانحة لأنشطة تجسس انتقائية تستهدف دوائر القرار أو البُنى المجتمعية.
في ضوء ذلك، من المرجّح أن يستمر الموساد في لعب دور نشط على الساحة الخليجية متخذًا مواقف متعددة بين “الصديق الأمني” لبعض الدول و”الخصم الخفي” لأخرى. تعتمد مدى فاعلية هذا الدور على مقدار اليقظة والتأهب لدى دول الخليج ومدى قدرتها على بناء شبكات أمنية مشتركة قادرة على رصد التهديدات والتثبت منها. وعليه، يوصي هذا التقرير بالتالي:
تعزيز التنسيق الأمني والاستخباراتي: يجدر بدول الخليج تعزيز التنسيق البيني لرصد التحركات المشبوهة والتعامل معها مبكرًا، خاصةً في ظل التنقل السريع للعناصر والجاليات بين هذه الدول.
التحكم الصارم في توظيف الأجانب: وبالخصوص ما يتعلق بالقطاعات الحيوية والاقنصادية وبنية الاتصالات ومؤسسات الدفاع، مع تشديد إجراءات الفحص الأمني على خلفياتهم وتحديث لوائح منح الإقامات والتراخيص التجارية.
رفع كفاءة الأمن السيبراني: بما يشمل تحديث أنظمة الحماية، خصوصًا في المنشآت السيادية كالبنوك وشبكات الطاقة والاتصالات وتفعيل آليات التحقق الأمني للعقود التقنية مع الشركات الأجنبية.
إعادة تقييم سياسات الانفتاح السياحي والاستثماري: يجدر بدول الخليج إعادة تقييم هذه السياسات من منظور أمني، ودمج الاعتبارات الاستخباراتية ضمن عمليات تقييم المخاطر عند ترخيص الشركات الجديدة والتحقق من أعمالها وطبيعتها.
بناء عقيدة استخباراتية موحدة: على دول الخليج أن تتعامل بواقعية مع الموساد، لا تقوم هذه العقيدة على الحذر أو الشك وحسب بل وعلى استباق خطواته وتفكيك أدواته وأسلوبه المرن القائم على اختراق الهياكل لا مواجهتها.
تصفير الأزمات الداخلية والإقليمية: إن أي بيئة مستقرة هي بيئة ميتة استخباراتيًا، وهو ما يقلل من دوافع التورط الإسرائيلي في أنشطة التجسس على دول الخليج. إن من شأن انحسار التوترات الداخلية، وبين دول الخليج وبعضها البعض، وحتى في العلاقة مع إيران، أن يضعف الحاجة إلى العملاء ومكاتب الظل. وحتى يتحقق ذلك، سيظل الخليج ساحة متداخلة للمصالح والاختراقات، وما على دوله إلا التحلي باليقظة والتوازن للحفاظ على أمنها القومي وسط هذه المتغيرات المتسارعة والصعبة.