يمثل تاريخ الحركات اليسارية في الخليج أحد أكثر الفصول إهمالاً في سرديات الدولة والمجتمع، ورغم أن هذه الحركات لعبت دوراً محورياً في تشكيل الوعي السياسي، وفي تحدي البنى التقليدية للدولة ما قبل الحديثة، وفي دفع دول الخليج إلى إعادة تعريف مفهومَي الأمن الداخلي والشرعية السياسية خلال العقود الممتدة من الأربعينيات حتى الثمانينيات. اليوم، ومع عودة النقاشات حول العدالة الاجتماعية وتراجع تطبيقات ومكاسب الاقتصاد الريعي وتنامي دعوات فرض الضرائب وانسحاب الدولة من الخدمات المجانية، يصبح استدعاء هذا التاريخ ضرورة تحليلية لفهم جذور العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والطبقة العاملة، وبين الأمن والتنمية.
يأتي هذا التقرير لإعادة تقييم التجربة اليسارية في الخليج لا بوصفها حقبة ماضية تم تجاوزها، بل كمرآة تساعد صانع القرار على فهم كيف تعاملت الدولة الخليجية مع أول معارضة أيديولوجية منظمة، وكيف أثّر ذلك في بناء أجهزة الأمن السياسية وفي تشكيل النخبة البيروقراطية وفي رسم حدود المجال العام. كما يسلط التقرير الضوء على البيئة الإقليمية التي ساهمت في صعود اليسار من الانتداب البريطاني مرورًا بالمد الناصري وانتهاءً عند الحرب الباردة التي ساهمت في نهايته. ويقارن التقرير بين التجربة اليسارية حين كانت قادرة على استقطاب الطبقات الفقيرة من العمال وبين واقع اليوم حيث تغيّرت البنية الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية جذريًا.
إعادة قراءة اليسار الخليجي اليوم ليست تمرينًا تاريخيًا، بل خطوة نحو فهم تحولات المجتمع وحدود الاحتجاج الممكن وآليات امتصاص الدولة للنخب السياسية، وكيف تبني الحكومات نماذج احتواء وتكيّف تقلل من كلفة الصراع السياسي. كما تقدم التجربة اليسارية مادة لفهم كيف تتعامل دول الخليج مع الحركات العابرة للحدود أيًا تكن الأيديولوجيات التي تتبناها.
توطئة
لم يكن الخليج منفصلاً عن نشأة الحركات اليسارية في المنطقة العربية وإيران، فقد ظهرت الحركات اليسارية في الخليج منذ ثلاثينيات القرن الماضي، تزامناً مع اكتشاف النفط وكنتيجة للانتداب البريطاني وما قابله من تحركات نضالية مناهضة لتواجد الإنجليز متأثراً بالحراك في المشرق والمغرب الرازحين تحت الاحتلال الغربي (فرنسي وبريطاني وإيطالي)، وكذلك عر ظهور حركة عمالية يافعة ومتحمسة.
مع اكتشاف النفط، قدمت طبقة عاملة إلى الخليج من دول الجوار كالعراق وإيران وبعض الدول الآسيوية. بعض العمال أتى حاملا معه الفكر الماركسي وما يحمله من دفاع ومنافحة عن حقوق العمال.
أخذت هذه الأفكار طريقها إلى فئة من المجتمع الخليجي كانت متعلمة ومتعطشة لسبر أغوار ما وراء الخليج. ومع قدوم الصحف والكتب إلى الخليج وانتشار التعليم وابتعاث الطلبة الخليجيين إلى العواصم العربية، عثر الفكر اليساري الماركسي على حاضنة في بعض بيوت الخليج. في الخمسينيات حملت الهجرات العربية إلى الخليج وكذلك الطلبة العائدون بذور أفكار الأحزاب الشيوعية الناشئة حينذاك، في فلسطين وسوريا ومصر ولبنان والعراق والسودان.
ومع ظهور الفكر الناصري ومبادئ التأميم الاقتصادي المتصدي للرأسمالية، أخذت الحركة اليسارية منعطفا جديدًا مه بروز تيار يسار قومي طغت عليه الماركسية ونجح في استمالة فئة مهمة من الخليجيين.
ماركسية سرية
رغم الطابع المحافظ في الخليج، إلا أن الأفكار الثورية نجحت في استمالة جزء من الطبقة العاملة في مختلف دول الخليج. بداية تعرف العمال السعوديون على الأفكار اليسارية والقومية في الخمسينيات من القرن الماضي فظهرت “لجنة العمال” التي تزعمت الإضراب فى مناطق إنتاج النفط شرق السعودية عام 1953 ثم قادت إضرابات عام 1956، تلتها اعتقالات في صفوف النقابيين العماليين. كما ظهرت “الحركة الثورية الشعبية في عمان والخليج العربي” متأثرة بحركة “القوميين العرب” وكان لها تأثير عميق في البحرين والكويت.
قادت “الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي” ثورة في إقليم ظفار في سلطنة عمان شارك فيها يساريون من دول خليجية أخرى، لا سيما من البحرين والكويت. كان من بين المشاركين أحمد الربعي الوزير والمفكر الكويتي والنائب السابق في مجلس الأمة إلى جانب نخب ارستقراطية بحرينية.
لاحقًا، تأسس أول حزبين شيوعيين سريين في البحرين والسعودية هما جبهة التحرير الوطني البحرانية وجبهة التحرر الوطني السعودية. وبعد النكسة عام 1967 عاد جزء مهم من التنظيمات القومية في الخليج إلى الفكر الماركسي.
شهدت هذه الحركات طفرة حقيقية في النصف الأول من السبعينيات.
تجربة الجبهة الشعبية لتحرير ظفار
هي جبهة شيوعية عُمانية تأسست في يونيو من عام 1965 بهدف إقامة دولة مستقلة في ظفار. سبق تأسيسها اندلاع “ثورة ظفار” القبلية في عام 1963 ضد حكم سلطان عمان آنذاك سعيد بن تيمور. استفادت الجبهة من انسحاب بريطانيا من عدن وظهور حكومة يسارية في اليمن الجنوبي حيث ساعدت الحكومة اليمنية جبهة ظفار ومدتها بالسلاح والمال ومكنتها من التدريب.
في سبتمبر/أيلول من عام 1968 أعلنت جبهة تحرير ظفار عن تبنيها برنامجاً “ماركسيا لينينيا” ومد الثورة من إقليم ظفار في سلطنة عمان إلى بقية أنحاء الخليج، فتغيّر اسمها من “الجبهة الشعبية لتحرير ظفار” إلى “الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل”. تحالفت الجبهة مع الماركسية في عُمان، واتحاد شعب الجزيرة العربية في السعودية الذي تبنى فكراً قومياً ناصرياً، وحركة القوميين العرب وفرعها في الخليج.
وبين عامي 1968 و1972 حازت الحركة على دعم من الاتحاد السوفياتي وألمانيا الشرقية والصين وكوريا الشمالية.
لكن في عام 1970 ومع تولي السلطان قابوس بن سعيد الحكم حيث كانت الجبهة حينذاك تسيطر على نحو 80 ٪ من إقليم ظفار. دعا قابوس حينذاك المقاتلين في ظفار إلى إلقاء السلاح مقابل العفو والدمج في القوات المسلحة النظامية.
كان لهذه الجبهة تأثير عميق في مسار الأحداث في الخليج فتقدمها جعل من البريطانيين يخشون انتشار التجربة في عموم الخليج، كما كان شاه إيران في تلك الفترة محمد رضا بهلوي متوجسا من انتشار الشيوعية في الخليج فكان أن مدّ سلطنة عمان بدعم عسكري واسع، إلى جانب بريطانيا والأردن والسعودية، وهو ما مكن السلطان قابوس من إخماد تمرد ظفار في عام 1975.
حركة القوميين العرب في الخليج
هي امتداد للحركة الأم “حركة القوميين العرب” التي تأسست في لبنان عام 1948 كنتيجة للنكبة في فلسطين ومن مؤسسيها جورج حبش ووديع حداد.
زعامة حركة القوميين العرب في الخليج كانت في الكويت في الخمسينيات من القرن الماضي تحت قيادة أحمد الخطيب الذي استفاد من مناخ الديمقراطية الوليد في الكويت. في البحرين برز كل من عبدالرحمن النعيمي وهو من أبرز قادة الحركة وأسس لاحقًا “جبهة التحرير الوطني البحرانية” ثم “جمعية وعد” بعد إصلاحات البحرين السياسية مطلع الألفية الجديدة، كذلك عبدالعزيز الشملان وهو قيادي قومي بارز من مؤسسي النشاط القومي في البحرين في الخمسينيات، وأحمد الذوادي أحد أوائل من تبنوا الفكر القومي العربي في البحرين، وساهم في العمل الطلابي وعلي فخرو الذي انخرط في التيار القومي فكريًا وسياسيًا دون انخراط تنظيمي مباشر. في قطر برز كل من عبدالله النعمة وعبدالعزيز المسند الذين تأثروا بأفكار القومية العربية في التعليم والصحافة منتصف القرن العشرين.
عملت الحركة في الخليج على تشكيل الوعي العربي والتشبث بعروبة الخليج واستفادت إلى حد كبير من الصحافة المكتوبة لنشر أفكارها كمجلة الإيمان وصحيفتي الفجر والشعب.
تأثرت الحركة بالمد الناصري في الستينيات، وساهمت في بناء الوعي السياسي عبر فروعها المختلفة مثل مكتب تحرير الخليج العربي وجنوب الجزيرة في عمان، وساهمت في قيادة حركات عسكرية خصوصًا في ظفار. ومع ذلك، تراجعت الحركة فيما بعد، وشهدت انقسامات أدت إلى ظهور تنظيمات يسارية ماركسية وصفت بـ “المتطرفة”.
جبهة التحرير الوطني
وهي حركة شيوعية لينينية بحرينية تأسست في عام 1955 وكانت حركة سرية، يمكن اعتبارها أول حزب يساري في الخليج ويتهمها البعض بارتباط عضوي مع الشيوعيين في إيران. كان هدف الحركة “تنظيم الطبقة العمالية والتحرر من الاستعمار”. بعد استقلال البحرين عام 1971 خرج العمل السري إلى العلن وتأسست اللجنة التأسيسية للاتحاد العام للعمال في البحرين، لكن السلطات لم تعترف باللجنة وصولاً إلى إضراب عام 1972 حين أضرب عمال طيران الخليج الذي تصدت له السلطات بالقوة.
التعايش مع التيار الإسلامي
كان لظهور التيارات الإسلامية في الخليج في منتصف السبعينيات من القرن الماضي نتيجة مباشرة: انحسار التيار اليساري. كانت المنافسة بين الإسلاميين واليسار شديدة منذ البداية. يمكن وصف العلاقة بينهما بأنها عدائية متشنجة حتى حين يجتمع الطرفان في السجون.
السبب الرئيس لهذا الخلاف هو التناقض الأيديولوجي بين تيار يؤمن بفصل الدين عن الدولة وثان يرى أن الدين هو مرجعية التشريعات في الدولة.
باستثناء قطر، لم تظهر حركة في الخليج تحت مسمى الإخوان المسلمون، لكن ظهر أفراد يعتنقون فكرها لا سيما في السعودية (إبان حكم الملك فيصل 1964-1975). في البحرين تأسست جمعية الإصلاح عام 1948 يد إسلاميين سنة ينتمون إلى الإخوان المسلمين ولا تزال هذه الجمعية فاعلة ومتغللة داخل مؤسسات الدولة حتى اليوم. أما في الإمارات فتأسست جمعية الإصلاح في نهاية الستينيات.
في البحرين، لم يدخل الإخوان المسلمون صراعًا مع قوى اليسار كما كان الحال بين قوى اليسار وقوى الإسلام الشيعي. في فترة الستينيات والسبعينيات كانت السيطرة تكاد تكون مطلقة للتيار اليساري في الخليج مقارنة بالتيار الإسلامي لكن المشهد تغير منذ نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات مع حدوث الثورة الإسلامية في إيران الحدث الذي أعطى زخما للتيار الإسلامي في المنطقة.
كيف تصدت حكومات الخليج لليسار؟
يقتضي فهم انحسار اليسار في الخليج قراءة العوامل البنيوية التي أعادت تشكيل المجالين الاجتماعي والسياسي ابتداءً من منتصف السبعينيات، وهي عوامل كانت أعمق وأكثر تعقيدًا من مجرد المواجهة الأمنية المباشرة. دخلت الحركات اليسارية بيئة مجتمعية لا تشبه البيئات التي ازدهرت فيها نماذج اليسار العربي والعالمي، ولم تستطع تطوير خطاب أو أدوات تنظيمية تتوافق مع البنية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في الخليج.
أول هذه العوامل هو فشل اليسار في قراءة البنية القبلية الدينية للمجتمعات الخليجية. تعاملت معظم التنظيمات اليسارية مع المجتمع باعتباره “طبقة عاملة” على الطريقة الكلاسيكية، بينما كان الواقع أكثر تعقيدًا: مجتمع يقوم على التضامنات القبلية والعائلية وعلى سلطة دينية واجتماعية قوية، مدعمة بعلاقات ولاء تاريخية مع الدولة والقيادة السياسية. لم يستطع اليساريون تحويل خطاب العدالة الاجتماعية إلى لغة مفهومة داخل هذه المجتمعات ولم ينجحوا في بناء قاعدة اجتماعية صلبة تتجاوز النخب المتعلمة، الأمر الذي جعلهم أقل قدرة على الحشد وأقرب إلى أن يكونوا تيارات “نخبوية” معزولة وفي بعض الأحيان، منبوذة.
ثانيًا، كان الاعتماد المفرط على نماذج مستوردة من دول العراق وسوريا ولبنان ومصر ومن المعسكر الاشتراكي سببًا في إضعاف قدرة اليسار على إنتاج مشروع محلي. تبنّت الحركات اليسارية في الخليج شعارات ونماذج ثورية مستوحاة من تجارب التحرر العربية والماركسية دون أن تُخضع هذه النماذج لاختبار واقع الخليج الاجتماعي والسياسي. هذا الاستيراد غير النقدي والجاهز جعل اليسار غريبًا في بيئة ذات ثقافة محافظة.
العامل الثالث تمثّل في تغيّر تركيبة الطبقة العاملة. في السبعينيات، كانت العمالة العربية، الأكثر تعليمًا وتنظيمًا، مصدرًا أساسيًا لانتشار الأفكار اليسارية. لكن بدءًا من الثمانينيات، توسعت العمالة الآسيوية منخفضة الكلفة وغير المسيسة، ما أدى إلى تفكيك القاعدة الاجتماعية التي اعتمد عليها اليسار. لم يعد بالإمكان بناء نقابات ذات وزن سياسي ولا تشكيل حركة عمالية قادرة على التعبئة. ومع فقدان هذه القاعدة، فقد اليسار أهم رافعة اجتماعية كانت تمنحه القدرة على التأثير.
العامل الرابع هو صعود الدولة الريعية وتوسع شبكات الرفاه، بما يشمل السكن والتعليم والصحة والوظائف الحكومية والدعم المباشر. هذا النموذج الريعي أدّى إلى تحييد المطالب الطبقية؛ فالدولة حلّت محل النقابات والأحزاب في دور الموفّر والضامن للاستقرار الاجتماعي. ومع تقلّص الشعور بالحاجة إلى الاحتجاج أو التنظيم، لم يعد لخطاب اليسار عن العدالة الاجتماعية أي حاضنة شعبية، خاصة بعد تزايد مستويات الدخل وتحسن ظروف الحياة.
إلى جانب ذلك، دخل اليسار في مرحلة انقسام وتشرذم فكري وتنظيمي. صنعت التباينات بين القوميين واليساريين وبين الماركسيين واللينينيين، مشهدًا مضطربًا غير قادر على تقديم رؤية مشتركة. ومع تصاعد التنافس بين القوى الإقليمية اليسارية انعكست الانقسامات على الخليج، ما أضعف التنظيمات وأفقدها قدرتها على العمل.
بهذه العوامل مجتمعة، تراجع اليسار لا كنتيجة مباشرة للمواجهات الأمنية والسياسية، بل كنتيجة لتفاعل معقّد بين طبيعة المجتمع والدولة والاقتصاد وطبيعة الحركات اليسارية ذاتها. ومع انهيار قاعدته الاجتماعية والفكرية وصعود الإسلام السياسي كبديل تعبوي أكثر جذرية وارتباطًا بأنماط التدين التقليدية، خرج اليسار من المشهد كقوة سياسية وبقي في أفضل الأحوال كتكوين ثقافي/ نقدي محدود التأثير.
جدير بالذكر أنه وإلى جانب الحلول الأمنية والمواجهات المباشرة مع قوى اليسار، استوعبت بعض حكومات الخليج عدة يساريين في أجهزة الدولة للاستفادة من تكوينهم الأكاديمي العالي. في قطر تقلد عدد من المعارضين اليساريين بعض المناصب الوزارية في السبعينيات، وكذلك في البحرين والكويت. ويعد القيادي أحمد الخطيب عراب اليساريين في الكويت أحد الكوادر التي استفادت منها الدولة حتى لقب بحكيم الدستور الكويتي كونه ساهم في كتابة دستور البلاد.
ما الذي بقي من اليسار اليوم؟
رغم انحسار اليسار الخليجي بوصفه قوة سياسية منظَّمة، فإن إرثه لم يختفِ بالكامل. أعاد اليسار إنتاج نفسه في مجالات جديدة أكثر مرونة وأقل صدامية مع الدولة. لم يعد اليسار اليوم حركة عقائدية تحمل مشروعًا انقلابيًا أو رؤى أيديولوجية شاملة، لقد تحوّل إلى حساسية أو حالة اجتماعية وثقافية تتوزع بين العمل النقابي والنقد الحقوقي والعمل الأكاديمي والتحليل الاقتصادي والاجتماعي.
يمكن القول إن ما بقي من اليسار لم يعد “تنظيمًا” بقدر ما هو لغة نقدية تتغلغل في بعض فضاءات المجتمع المدني.
تظهر بقايا اليسار بوضوح في النشاط الحقوقي والعمالي، خصوصًا في البحرين والكويت حيث يوجد تاريخ نقابي عريق نسبيًا. يواصل اليساريون السابقون أو الجدد لعب دور في الدفاع عن حقوق العمال والمطالبة بأجور عادلة وانتقاد التمييز وقضايا الإسكان والرواتب والأمن الوظيفي والضغوط المعيشية في اقتصاد ما بعد النفط. هذه الملفات أصبحت اليوم جزءًا من خطاب حقوقي عابر للأيديولوجيا لكنه يستند إلى أدوات تحليل طبقية واضحة.
يظهر أيضًا ما يمكن تسميته بـ “اليسار الثقافي” عبر الحضور في الفضاء الفكري والأكاديمي الذي لا يطمح إلى السلطة، لكنه يعيد قراءة قضايا الهوية والمواطنة والعدالة من منظور نقدي. هذا اليسار الجديد لا ينتمي تنظيميًا إلى حركات تاريخية لكنه يؤسس لجيل جديد يشتغل على قضايا عدم المساواة والحريات الفردية والعدالة الجندرية والشفافية. هو يسار بلا حزب، لكنه امتداد واضح للوعي النقدي الذي غذّته الحركات اليسارية.
يمكن القول إن اليسار لم يعد “فاعلًا سياسيًا” لكنه يبقى مزاجًا اجتماعيًا يعود ويصبح بارزًا كلما اشتدت الضغوط السياسية والاقتصادية وكلما تغيّرت منظومة الرفاه.
