يكشف أحدث تقييم أمريكي صادر عن مركز غيموندر للأمن والدراسات الاستراتيجية التابع للمعهد اليهودي للأمن القومي الأميركي (JINSA) أن إيران نجحت في إعادة استكمال جزء كبير من ترسانتها الصاروخية. وتؤكد الدراسة أن إيران، رغم خسارتها ما بين 40 و60% من مخزون صواريخها ومنصات إطلاقها في حرب يونيو 2025، نجحت بحلول فبراير الجاري في استعادة ترسانة تقارب 2,000 صاروخ، وفي رفع قدرتها التشغيلية إلى نحو 200–260 منصة إطلاق.
ويضع التقرير المنشور في 17 فبراير الجاري، والذي أعدّه الباحثان جوناثان روهي وآري سيكوريل، هذه القدرة على التعافي السريع في سياق تحوّل مركز ثقل التهديد من ساحة الصواريخ المتوسطة المدى الموجّهة لإسرائيل إلى دول الخليج، حيث تقع القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية ضمن مدى الصواريخ القصيرة المدى وصواريخ الكروز والطائرات المسيّرة، بزمن إنذار لا يتجاوز دقائق. وتشير الورقة إلى أن إيران قد تمتلك “عدة آلاف” من الصواريخ قصيرة المدى القادرة على ارسال رشقات كبيرة ومستمرة، لكنها تعود لتؤكد أن سلامة منصات الإطلاق تبقى عامل ضبط.
ووفق خلاصات الدراسة التي حملت مسمى “تطورات التهديد الإيراني بالصواريخ والطائرات المسيّرة”، فإن القواعد الأمريكية في الخليج ستكون أكثر عرضة للمخاطر من نظيراتها في إسرائيل بفعل عاملين متلازمين: الأول هو فجوة الكثافة والتكامل في منظومات الدفاع الجوي مقارنة بالبنية الإسرائيلية متعددة الطبقات، والثاني هو نمط الأسلحة المرجّح استخدامه إيرانيًا في أي تصعيد واسع مع الولايات المتحدة، والمتمثل في رشقات عالية الوتيرة من الصواريخ القصيرة المدى وصواريخ الكروز والمسيّرات، بما يرفع احتمالات الاختراق ويُسرّع من استنزاف مخزون الاعتراض.
وتقدم الدراسة تقديرًا تقنيًا واستراتيجيًا لتطور القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية، وتستخلص دروس حرب الـ12 يومًا بين إيران وإسرائيل في يونيو 2025، مع وضع الخليج والقواعد الأميركية في صلب معادلة المخاطر المقبلة.
نتائج الورقة
تضع الورقة خلاصة حادة ومباشرة في مقدمتها، وهي أن الخطر الأكثر إلحاحًا على الولايات المتحدة في أي مواجهة محتملة لا يرتبط بصواريخ إيران المتوسطة المدى التي استُخدمت ضد إسرائيل، بل بترسانتها القصيرة المدى وصواريخ الكروز والطائرات المسيّرة.
النتيجة الثانية التي تكررها الورقة بوضوح هي أن إيران تراهن على معياري “الكتلة والوتيرة” أكثر من رهانها على الدقة. فحتى عندما تكون الدقة محدودة، فإن إطلاق رشقات كثيفة متعددة المسارات، ودمج الصواريخ بالمسيّرات وصواريخ الكروز، يُرهق الدفاعات ويستنزف مخزون الاعتراض ويجعل احتمالات الوصول إلى الأهداف ممكنة.
أما النتيجة الثالثة، والأكثر “عملياتية”، فتتعلق بما تسميه الورقة بـ”عنق الزجاجة” في القوة الإيرانية، إذ ترى الدراسة أن القاذفات المتحركة والبنى التحتية للإطلاق، خصوصًا في منظومة الصواريخ المتوسطة المدى، تشكّل نقطة ضعف قابلة للاستهداف تُخفض القدرة على توليد رشقات متتابعة بوتيرة عالية. وتستنتج الورقة أن ضرب القاذفات قد يكون أكثر جدوى من مطاردة الصواريخ الإيرانية في السماء.
وتضيف الورقة نتيجة رابعة ذات بعد سياسي/أمني، وترى أن إيران باتت أكثر استعدادًا لتنفيذ ضربات “مباغتة واسعة” دون تمهيد، مستندة إلى ما تعتبره الورقة تراجعًا في أوراق الضغط التقليدية وإلى شعور متزايد بالتهديد الداخلي، ما قد يدفعها إلى رفع الكلفة بسرعة على الولايات المتحدة وحلفائها بدل الاكتفاء بضربات محدودة ورسائل محسوبة.
تأتي الورقة على خلفية ما تصفه بـ”الحشد الأميركي الواسع” في المنطقة، والذي لم يُفضِ حتى الآن إلى انتزاع تنازلات تفاوضية شاملة من طهران في ملفات برنامجها النووي والصواريخ الباليستية ووكلائها في المنطقة. لكن أهم ما تضيفه هو نقل مركز الاهتمام من ساحة الاشتباك الإيراني الإسرائيلي إلى الخليج باعتباره المسرح الأقرب والأكثر حساسية، فالقواعد والمنشآت والبنى التحتية للطاقة والموانئ تقع ضمن مدى الصواريخ القصيرة المدى، وزمن وصول المقذوفات قد يُقاس بالدقائق، ما يجعل منظومات الدفاع الأمريكية والخليجية تعمل تحت ضغط ثابت، يصعّب إدارة الإنذار والاعتراض.
الصواريخ المتوسطة المدى: تهديد واسع لكن محكوم بعقدة الإطلاق
تصف الورقة الصواريخ الباليستية المتوسطة المدى بأنها من أخطر أدوات إيران بسبب المدى والحمولة، وقدرتها على تهديد إسرائيل وأهداف إقليمية أخرى. وتتناول الورقة خصائص تقنية مهمة، من أبرزها أن بعض المنظومات الإيرانية الحديثة تضم رؤوسًا تستطيع المناورة في المرحلة النهائية، ما يزيد من صعوبة اعتراضها، وأن جزءًا من الترسانة يعتمد على الوقود الصلب بما يقلّص زمن التحضير قبل الإطلاق مقارنة بالوقود السائل.
وتُظهر الورقة أن تقديرات المخزون وقدرة الإطلاق تغيّرت جذريًا عبر ثلاث مراحل:
قبل حرب يونيو 2025: قُدِّر مخزون إيران من الصواريخ الباليستية متوسطة المدى بنحو 2,500 صاروخ مع ما يقارب 480 منصة إطلاق عاملة بين منصات متحركة وبنى تحت أرضية.
نهاية الحرب: خسرت طهران ما بين 40 و60% من مخزونها، فيما تراجعت القدرة التشغيلية لمنصات الإطلاق إلى أقل من 100 منصة بعد تدمير نحو 293 منصة وتعطيل الوصول إلى 92 منصة أخرى.
فبراير 2026: تقدّر الورقة أن إيران نجحت في إعادة استكمال مخزونها إلى قرابة 2,000 صاروخ، وأن قدرتها على الإطلاق ارتفعت مجددًا إلى نطاق يتراوح بين 200 و260 منصة عبر استعادة المنصات المحاصَرة وإصلاح/استبدال جزء من المنصات المتضرّرة.
ومع ذلك، تؤكد الدراسة أن منصات الإطلاق تبقى “عنق الزجاجة” العملياتي؛ إذ إن خسارتها أو تعطّل منافذ الإطلاق يمكن أن يهبط بوتيرة الرشقات بشكل حاد حتى لو بدا حجم المخزون الصاروخي كبيرًا على الورق.
الصواريخ القصيرة المدى: العمود الفقري لتهديد الخليج
ترى الورقة أن الصواريخ القصيرة المدى هي الأكثر قدرة والأخطر على الخليج. وتُرجع ذلك إلى أربعة عناصر متراكبة. أولًا، زمن الطيران القصير، وهو ما يقلّص من طول نافذة الرصد والاعتراض. ثانيًا، تحسّن الدقة في المنظومات الحديثة لضرب مدارج الطائرات والرادارات ومستودعات الوقود ومراكز القيادة. ثالثًا، اعتماد متزايد على الوقود الصلب الذي يسمح بالإطلاق السريع. رابعًا، أن حرب يونيو 2025 ركزت في الأولويات على منظومات مرتبطة بساحة إسرائيل، ما يعني أن أجزاء كبيرة من منظومة المدى القصير وصواريخ الكروز قد تكون أقل تضررًا.
وتخصص الورقة مساحة لصواريخ الكروز بوصفها أداة مختلفة لتهديد الأهداف البرية والبحرية، بسبب التحليق على ارتفاع منخفض ومسارات مناورة تقلّص فرص الرصد المبكر، خصوصًا فوق المسطحات المائية في اتجاه الموانئ والمنشآت والقواعد والسفن. ورغم محدودية البيانات العلنية حول دقة هذه المنظومات، فإن الورقة تتعامل معها كأداة تعقيد إضافية لمنظومات الدفاع، خصوصًا حين تُدمج مع المسيّرات والصواريخ الباليستية ضمن “حزم استهداف مركبة”.
المسيّرات: كثافة عددية ووظائف متعددة
تقدم الورقة المسيّرات الإيرانية كمنظومة متعددة الوظائف لا تقتصر على الضربات الانتحارية، من هذه الوظائف الاستطلاع والمراقبة وصولًا إلى منصات قادرة على التحليق ثم إطلاق الذخائر والعودة. وتشير الورقة إلى أن دمج المسيّرات مع المقذوفات الصاروخية يمنح إيران قدرة أعلى على ضبط التوقيت وتحسين التقييم وتنسيق الضربات عبر مسارح متعددة. وتضيف الدراسة أن إيران واصلت توسيع مخزونها، ومن ذلك الإعلان عن إدخال دفعات كبيرة من المسيّرات خلال يناير 2026.
حرب الـ12 يومًا: أكبر عيّنة بيانات
تعتمد الورقة على حرب يونيو 2025 بوصفها اختبارًا عمليًا واسعًا ودقيقًا لقدرات إيران، وتستخلص منها خطين متوازيين. الأول أن منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية والأميركية نجحت في اعتراض نسب مرتفعة من المقذوفات، غير أن ذلك لم يمنع وقوع خسائر بشرية وأضرار تشغيلية، إذ تشير الورقة إلى أن الضربات الإيرانية أسفرت، رغم الاعتراضات الواسعة، عن مقتل ما لا يقل عن 31 شخصًا في إسرائيل وإصابة أكثر من 3,000 آخرين، ما يبيّن حدود فعالية الدفاع الجوي عندما تُنفَّذ رشقات كثيفة ومتعددة المسارات.
أمّا الخط الثاني فيتمثل في قدرة إيران، تحت ضغط الاستنزاف، على التكيّف تكتيكيًا عبر تفريق الرشقات زمنيًا وجغرافيًا بدل الإطلاق المركز، وهو ما أطال أمد الإرباك وفرض أعباءً إضافية على منظومات الاستطلاع والتتبّع والاستهداف.
وتذكر الورقة أن إيران، في نهاية تلك الحرب، نفذت ضربة على قاعدة العديد في قطر باستخدام مزيج من صواريخ باليستية، حيث اعترضت الدفاعات معظم المقذوفات، مع تسجيل إصابة واحدة على الأقل ألحقت ضررًا بمنشأة اتصالات، في مؤشر على حساسية القواعد القريبة من إيران عندما تُدفع منظومات الدفاع للعمل ضمن زمن إنذار شديد القِصر.
الدفاعات الجوية: فجوة بين إسرائيل والخليج
تُجري الورقة مقارنة ضمنية بين البنية الدفاعية الإسرائيلية متعددة الطبقات وبين دفاعات الخليج. وهي لا تقلل من وجود منظومات أميركية وخليجية متقدمة مثل “باتريوت” و”ثاد” ودور المدمرات الأميركية المزودة بأنظمة اعتراض، لكنها تشدد على أن الكثافة والتكامل والعمق الدفاعي في إسرائيل أعلى، وأن القرب الجغرافي في الخليج يفرض معادلة مختلفة، حيث إن زمن الإنذار أقل، المسافات أقصر وإمكانية ضرب عدة أهداف في وقت متزامن، وهو ما يرفع من مستوى الضغط على منظومة القيادة والتحكم وعلى مخزون الصواريخ الاعتراضية في آن واحد.
تعرض الورقة صورة الحشد الأميركي في المنطقة خلال فبراير 2026 كعنصر يعزز الردع ويزيد قدرة الاعتراض، لكنها تعود إلى التحذير من أن أي صدام واسع قد يتحول إلى سباق استنزاف بين وتيرة الهجمات وتوافر الاعتراضات والقدرة على حماية أكثر من هدف في وقت واحد.
