أفادت مصادر مطّلعة بأن السعودية تدرس بجدية فرض إجراءات اقتصادية “ناعمة” ضد البحرين، في ظل تصاعد استيائها من سياسات المنامة الخارجية التي باتت، من وجهة النظر السعودية، خارج نطاق المقبول. ويأتي ذلك في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، تتقاطع فيها الأزمة السعودية الإماراتية منذ ديسمبر 2025 مع تعقيدات ملف التطبيع الخليجي مع إسرائيل.
يستند هذا التقرير إلى معلومات أدلى بها مصدران منفصلان يمكن وصفهما بـ “الموثوقَين”، أكّدا وجود نيّة سعودية لمعاقبة البحرين عبر أدوات اقتصادية محددة تتراوح بين تقليص حصتها من الحقل النفطي المشترك (أبو سعفة) أو إجراءات تتعلق بجسر الملك فهد، أحد أهم شرايين الحياة الاقتصادية في البحرين.
وترتبط أجواء التوتر بين الرياض والمنامة بتصدع العلاقات السعودية الإماراتية منذ أواخر العام الماضي. حين اتهمت الرياض أبوظبي بـ “سلوك بالغ الخطورة” يهدد الأمن الوطني السعودي، وذلك على خلفية دعم الإمارات لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن لتنفيذ عمليات عسكرية في محافظتي حضرموت والمهرة المتاخمتين للحدود السعودية. وصل التصعيد إلى حد تنفيذ غارات جوية سعودية على ميناء المكلا استهدفت شحنة أسلحة مرتبطة بالإمارات، في حادثة غير مسبوقة بين البلدين.
هذا الانزلاق في علاقات الرياض وأبوظبي كان له ارتدادات على كامل المنظومة الخليجية، ووضع الدول الأصغر في الخليج أمام خيارات اصطفاف صعبة. وفي هذا السياق تحديداً، وجدت البحرين نفسها في موقع لا تُحسد عليه.
خلال الأعوام القليلة الماضية، تجاوزت العلاقة بين المنامة وأبوظبي نطاق التنسيق المعتاد داخل مجلس التعاون الخليجي لتتحول إلى ما يشبه التحالف الاستراتيجي العميق. وتتجلى ملامح هذا التحالف بين أبوظبي والمنامة في عدة مؤشرات:
التكامل الأمني: يُعدّ برنامج التدريبات العسكرية المشتركة “جلمود” نموذجاً لتحوّل في العقيدة الأمنية البحرينية، حيث باتت الإمارات تُعامَل كـ “شريك أمني أول” على حساب الدور السعودي التقليدي.
التقارب المؤسساتي العميق: عقدت اللجنة الوزارية المشتركة بين البحرين والإمارات دورتها الثالثة عشرة في أبوظبي، فيما أطلق البلدان نظام “المحطة الواحدة” للسفر بينهما كمشروع تجريبي في ديسمبر 2025، وهو ما يُقرأ في الرياض كمؤشر على اندماج متسارع يتجاوز الأطر الخليجية الجماعية.
التنسيق السياسي الكامل: تشير تقديرات سعودية إلى أن المنامة باتت تنسق مواقفها السياسية الإقليمية مع أبوظبي بشكل أوثق مما تفعل مع الرياض، وهو ما يُعدّ كسراً للتقاليد الخليجية الراسخة التي اعتبرت البحرين دائماً ضمن المدار السعودي المباشر.
الخطوط الحمراء
في أغسطس 2025، تسلّم وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني أوراق اعتماد السفير الإسرائيلي الجديد شموئيل ريفيل، ليكون ثاني سفير إسرائيلي لدى المنامة منذ توقيع اتفاقيات إبراهام عام 2020. ويكتسب التطبيع البحريني المتسارع أهمية خاصة عند مقارنته بالموقف السعودي الذي ربط أي تطبيع مستقبلي مع إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وكان وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان قد أكد في فبراير 2026 أن “الاستقرار لن يدوم ما لم نعالج شمولية القضية الفلسطينية”، مشدداً على أن وحدة غزة والضفة الغربية “ضرورة سياسية لا يمكن التنازل عنها”. وبينما تقود السعودية جهوداً دولية حثيثة لإقامة دولة فلسطينية، من خلال رئاستها للجنة الوزارية العربية الإسلامية بشأن غزة، والمؤتمر الدولي رفيع المستوى الذي عُقد بالشراكة مع فرنسا، والتحالف الطارئ للاستدامة المالية للسلطة الفلسطينية، تنظر السعودية إلى ذهاب البحرين في مسار التطبيع دون اشتراطات جوهرية على أنه تقويض مباشر للاستراتيجية السعودية التفاوضية.
وفي تطور لافت، غابت البحرين عن عدد من البيانات الأخيرة الصادرة عن وزارة الخارجية السعودية المتعلقة بالقضية الفلسطينية والوضع في غزة. ففي حين تضمنت البيانات المشتركة الصادرة عن الوزارة أسماء دول مثل الأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا وقطر ومصر – إلى جانب السعودية – في سياق إدانة الانتهاكات الإسرائيلية والمطالبة بوقف إطلاق النار، غابت البحرين عن هذه القوائم رغم كونها عضواً رسمياً في اللجنة الوزارية المكلّفة من القمة العربية الإسلامية الاستثنائية بشأن غزة. وبحسب البيان الرسمي للجنة، فإن البحرين من الدول المؤسِّسة التي كُلّفت بالانضمام إلى هذه اللجنة إلى جانب مصر وإندونيسيا والأردن ونيجيريا وفلسطين وقطر والسعودية وتركيا وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، غير أن إزالة البحرين من البيانات السعودية الأخيرة يُقرأ على أنه انقطاع في الاتصال على مستوى وزارات الخارجية للبلدين ورسالة سياسية واضحة تعكس حجم الاستياء السعودي من المسار البحريني في ملف التطبيع.
أدوات العقاب المتوقعة
تتمحور الإجراءات العقابية السعودية المتوقعة حول محورين رئيسيين، يمثّل كل منهما ورقة ضغط استراتيجية بالغة التأثير على الاقتصاد البحريني.
حقل أبو سعفة النفطي المشترك: يُعدّ حقل أبو سعفة البحري، الذي اكتُشف عام 1963، العصب الحيوي للاقتصاد البحريني. يقع الحقل في مياه الخليج تحت الإدارة الكاملة لشركة أرامكو السعودية، وتبلغ طاقته الإنتاجية نحو 300 ألف برميل يومياً تُقسم مناصفة بين البلدين. ويمثل مدخول البحرين من الحقل نحو 70% من مدخول البحرين النفطي. وكانت السعودية، قد أوقفت في يوليو 2004 إمداد البحرين بـ50 ألف برميل يومياً إضافية كانت تقدمها كـ”منحة” من حقولها الخاصة منذ عام 1996. وأحدث ذلك القرار هزة كبيرة في الميزانية البحرينية. وتُظهر هذا السابقة أن الرياض استخدمت ورقة النفط سابقاً كأداة ضغط، وأن البحرين تملك هامشاً ضيقاً جداً للمناورة في هذا الملف.
إن أي تخفيض في حصة البحرين من أبو سعفة – أو حتى تأخير في التحويلات المالية المرتبطة به – سيكون له أثر فوري ومدمر على موازنة البلاد، في ظل عجز مالي وأزمة الدين العام الخانقة التي تمر بها البحرين.
جسر الملك فهد: يمثل جسر الملك فهد، الذي افتُتح عام 1986 ويمتد بطول 25 كيلومتراً ليربط البحرين بالمنطقة الشرقية في السعودية، الشريان الاقتصادي الأهم للبحرين. وتكشف الأرقام الأخيرة عن الأهمية الحيوية للجسر؛ فقد بلغ عدد المسافرين في عام 2024 نحو 33 مليون مسافر، فيما بلغ عدد المركبات حوالي 13 مليون مركبة، بمتوسط يتراوح بين 45 و60 ألف مركبة يومياً. ويُقدَّر الإنفاق السياحي المرتبط بالجسر بنحو 2.9 مليار دولار سنوياً، بينما يشكّل القادمون عبره حوالي 88% من إجمالي السياح الوافدين إلى البحرين.
إن أي إغلاق مؤقت للجسر – تحت ذرائع فنية أو أمنية – سيشل قطاعات السياحة والتجارة والخدمات المالية في البحرين.
ولي عهد البحرين ومحاولة احتواء الأزمة
في 13 فبراير 2026، استقبل ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان نظيره البحريني الأمير سلمان بن حمد آل خليفة في الدرعية. الزيارة جاءت في توقيت بالغ الحساسية. التمثيل الثقيل من الجانبين خلال اللقاء يشير إلى أن الزيارة لم تكن بروتوكولية.
وخلاف ما تضمنه تقرير وكالة فرانس برس، الذي أشار إلى أن البحرين تقود جهود وساطة بين الرياض وأبوظبي، وهو ما نفته المنامة، فإن زيارة ولي عهد البحرين إلى الرياض حملت بُعداً يتخطى جهد الوساطة، تدرك المنامة جيداً أنها لا تملك رفاهية البقاء على مسافة واحدة من الرياض وأبوظبي في حال تحوّل الخلاف إلى قطيعة مستدامة. وكانت الرسالة – بحسب مصادر مختلفة ومتطابقة – هي أن البحرين لا تستطيع تحمّل تبعات هذه الأزمة أو الدخول فيها مع أي من الطرفين، وأنها تسعى لطمأنة الرياض بشأن ثوابت العلاقات التاريخية والعميقة مع البحرين.
اليوم، تجد البحرين نفسها في موقع بالغ الصعوبة، مُحاصرة بين حليفيها الأكبرين اللذين دخلا في مواجهة مفتوحة. ومع أن المنامة تسعى للعب دور المحايد، فإن تراكم ملفات الخلاف مع الرياض من الاندماج الكامل مع الإمارات إلى التطبيع غير المشروط مع إسرائيل، يجعل من خيار حياد البحرين خيارًا محفوفًا بالمخاطر.
أي إجراءات سعودية، حتى لو كانت “ناعمة”، ستكون بمثابة إنذار استراتيجي للمنامة بأن هامش المناورة خارج المدار السعودي بات ضيقاً. وفي المقابل، تدرك الرياض أن الإفراط في الضغط على البحرين قد يتسبب في كارثة اقتصادية لا تستطيع البحرين احتمال تداعياتها.
هل ستنجح جهود ولي عهد البحرين الدبلوماسية في رأب الصدع قبل أن تتحول العقوبات الناعمة إلى واقع؟ أم أن دول الخليج تتجه نحو إعادة رسم خريطة تحالفاتها الداخلية بشكل جذري؟
