شهد عام 2025 تصعيدًا غير مسبوق في مسار الاشتباك بين طهران وتل أبيب مع تدخّل أميركي بلغ ذروته في ضرب منشآت نووية إيرانية حسّاسة. جاءت هذه المواجهة في لحظة كانت فيها قنوات التفاوض النووي قد عادت، إلى التداول، ما جعل الصدام العسكري يتقاطع مباشرة مع مسار دبلوماسي هشّ لم يكتسب وقتئذ أي ضمانات صلبة.
اليوم تجد إيران نفسها تحت ضغط مركّب: ضغط عسكري في بنيته الاستراتيجية واقتصادي في أساسه الاجتماعي. تتفاقم الأزمات المعيشية على نحو متسارع؛ تضخم قياسي، انهيار متواصل في قيمة العملة وشحّ في السلع الأساسية في ظل عقوبات لم تُخفَّف وحرب أضافت أعباء جديدة إلى اقتصاد منهك.
إيران اليوم هي أقرب إلى الدولة الجريحة التي تعيد النظر في أولوياتها، لا من باب المراجعة الفكرية الطوعية بل تحت وطأة الوقائع الصلبة.
من هنا، برزت تحليلات تشير إلى “تغيير البارادايم” كجزء من نقاشات داخلية وإقليمية، عبر الانتقال من نهج قائم على الصراع والتهديدات إلى نهج يركز على التعاون أو تغييرات أعمق في الهياكل السياسية، وبما قد يصل إلى نمط الحكم. منذ آواخر العام الماضي، بدأت تتبلور داخل صفوف السياسيين والنخبة الإيرانية لغة جديدة، لا تعلن القطيعة مع الأيديولوجيا والثورة لكنها تُخضعها لحسابات الكلفة التي باتت صعبة ومؤذية.
تتبنى هذا النخبة خطابًا يذهب إلى أن انتقالًا تدريجيًا من منطق الصراعات الوجودية إلى منطق إدارة الخسائر والمصالح الوطنية يجب أن يحدث. حميد أبوطالبي، نائب وزير الخارجية الأسبق، نبه إلى ما وصفه بوهم خطير داخل بعض الأوساط المتشددة يقوم على افتراض أن التصعيد مع الولايات المتحدة لن تترتب عليه “خسائر إضافية”. هذا الوهم، بحسب أبوطالبي، قد يقود إيران إلى “نكسة مفجعة”.
في التفاصيل، يقترح بعض الساسة تبني طهران لتسوية القضية الفلسطينية وفق صيغ مقبولة دوليًا – مثل حل الدولتين – باعتباره طريقًا سالكًا لكسر العزلة وتخفيف الضغوط الاقتصادية، دون المساس الخطابي بالثوابت القومية أو السيادية لإيران. في المقابل، يشير المتشددون في السلطة إلى الحالة السورية بعد إسقاط نظام الأسد، محذرين من أن التخلي عن النهج العدائي الصريح مع الولايات المتحدة سيؤدي إلى نتائج ملتبسة.
يبرز داخل النخبة السياسية – الفكرية الإيرانية تياران رئيسيان. التيار الأول يدفع باتجاه فكّ الاشتباك مع واشنطن واحتواء الصدام معها، لا ينظر هذا التيار إلى الولايات المتحدة بوصفها شريكًا، بل منافسًا يمكن إدارة الخصومة معه بطرق أقل كلفة. يتزعم التيار إصلاحيون ومعتدلون وبعض رموز “الحرس القديم” ممن يرون أن الحرب مع أميركا أو إسرائيل ستغرق إيران في مستنقع يصعب الخروج منه.
التيار الثاني يركّز على الداخل بوصفه أولوية داعيًا إلى تقليص كلفة “محور المقاومة”. لا يطرح هذا التيار التطبيع مع إسرائيل ولا يتخلى خطابيًا عن دعم فلسطين، لكنه يطالب بكبح عجلات الإنفاق خارج الحدود والابتعاد عن تحويل الصراعات الإقليمية إلى التزامات مفتوحة. من وجهة نظر هؤلاء، تتحمّل إيران اليوم العبء الأكبر في دعم حلفائها في الخارج فيما يزداد الضغط على الاقتصاد والمجتمع الإيرانيين. استمرار هذا النهج، بحسب هذا التيار، لا يهدد مستوى المعيشة وحسب، بل يهدد تماسك الدولة نفسها.
منهج التقرير ومعايير الاختيار
لا يتعامل هذا التقرير مع التغيير بوصفه موقفًا معلنًا أو برنامجًا رسميًا، بل باعتباره تحوّلًا في اللغة والحدود وسقف الممكن داخل الدولة. وعليه، شمل الاختيار نحو 30 شخصية وفق المعايير الآتية:
أولاً: موقع داخل الدولة أو قرب مؤثر منها: مسؤولون حاليون وسابقون، مستشارون، برلمانيون، شخصيات من الدوائر الأمنية والعسكرية، أو رموز تمتلك شرعية رمزية داخل النظام.
ثانيًا: إنتاج خطاب موثّق بعد 2024–2025: (تصريحات، مقالات، مقابلات، مداخلات عامة) يتناول كلفة الصدام أو أولوية الداخل أو ضرورة إدارة العلاقة مع واشنطن.
ثالثًا: التنوّع التياري: إصلاحيون، محافظون براغماتيون، اقتصاديون، أكاديميون، صحافيون وحقوقيون.
رابعًا: الدلالة السياسية: ما تقوله الشخصية، أو ما تمثّله داخل توازنات الدولة، لا فقط حدّة الخطاب.
فيما يلي عرض يشمل نحو 30 شخصية سياسية وفكرية تظهر مواقف تدعم اتجاه التغيير في السياسة الخارجية لإيران.
أولاً: محمد جواد ظريف (وزير خارجية أسبق): رمز البراغماتيين في السلطة، أبرز وجوه تيار فك الاشتباك مع الولايات المتحدة، لا يخفِ قناعته بأن الصدام المفتوح مع واشنطن يضر بالمصالح القومية الإيرانية وأن التفاوض أداة قوة. لا يتبنى ظريف خطاب الانسحاب من القضية الفلسطينية ويحافظ على اللغة الرسمية للنظام، لكنه يركز على أن أولوية الدولة هي رفع العقوبات وإنقاذ الاقتصاد. دلالته ليست فيما يقوله عن فلسطين بل فيما يقدمه عمليًا: جعل العلاقة مع واشنطن بوابة كل الملفات الأخرى.
ثانيًا: صادق زیباکلام (أستاذ علوم سياسية في طهران): من الكتّاب العلمانيين المعارضين للتطرّف. حذّر في مناظرات علنية من أن “أميركا ليست العدو الاستراتيجي لكل شيء” وأن خطابات “أمريكا عدوتنا” لا تغطي فراغًا استراتيجيًّا حقيقيًّا.
انتقد ظاهرة حرق أعلام أمريكا وإسرائيل، معتبرًا ذلك “خطأ فادحًا” لأنه يعكس عجز الخطاب السياسي عن تقديم بدائل عقلانية. في القضية الفلسطينية، يصف زیباکلام دعمه بالإعلامي فقط. مؤخرًا قال إن جيل الشباب في إيران صار يكره المواقف التقليدية من فلسطين ويرى ترامب كرجل حديدي ناجح.
ثالثًا: مصطفى تاجزاده (نائب وزير سابق وشخصية إصلاحية): معتقل حاليًا، يُعد من أبرز وجوه “الإصلاحيين الجدد” ومن الأصوات المدافعة عن الحريات السياسية داخل إيران.
لا يُعرف عن تاجزاده تبنّيه خطابًا علنيًا مباشرًا بشأن إسرائيل أو الولايات المتحدة، لكنه يطرح مقاربة بنيوية تقوم على إعادة هيكلة الدستور بما يقلّص التمدد الخارجي ويُعيد تركيز السلطات داخل المؤسسات المدنية.
لا يدعو إلى الانسحاب من القضية الفلسطينية إلا أن منطقه السياسي يقوم على إعادة ترتيب أولويات الدولة وتقليص كلفة الاستقطاب الخارجي.
رابعًا: محمد خاتمي (الرئيس الإصلاحي الأسبق): من قادة التيار الإصلاحي القديم، يتبنى خطاب “حوار الحضارات” وأكد مرات عدة أن تصدير الثورة يجب أن يتوقف. لم يعطِ تصريحات حديثة منذ خروجه من السلطة، لكنه يُمثّل رمزيًا الحلم بعودة انسجام إيران مع العالم مقابل تحسين الأوضاع الداخلية. موقفه التقليدي من القضية الفلسطينية كان تأييد “الحقوق المشروعة” لكن بأسلوب أكثر اعتدالاً وبالدعم الدبلوماسي.
خامسًا: مهدي كروبي (قائد الحركة الخضراء وبرلماني إصلاحي): شارك في انتخابات الرئاسة 2005 و2009 وارتبط اسمه بخطاب الحقوق والعدالة داخل إيران.
لا توجد له تصريحات حديثة بسبب الإقامة الجبرية. يؤكد على تحرير القدس ضمن سياق المفاوضات الدولية وليس الجهاد. آخر موقف معروف له كان نقده للمغالاة في الإنفاق على الحروب الإقليمية ويرى أن النهج الثوري يجب أن لا يغرق المصداقية الداخلية.
سادسًا: محمود سريع القلم (مستشار سياسي وأكاديمي): من أبرز المنظّرين التقنيين للإصلاح. ينظر إلى الخلاف مع الولايات المتحدة بوصفه خلافًا فكريًا وفلسفيًا أكثر منه صراعًا نوويًا أو أمنيًا. يرى أن تضخيم الملف النووي يخفي جوهر الإشكال الحقيقي في موقع إيران داخل النظام الدولي. رغم عمله سابقًا ضمن حكومات إصلاحية، تبنّى مواقف عقلانية واضحة وكتب صراحة أن “أي بلد لن يزدهر دون علاقة طبيعية مع الولايات المتحدة”.
يعتبر سريع القلم أن أولوية الاستراتيجية الإيرانية يجب أن تنصب على تقوية الداخل. انتقد في الأشهر الأخيرة وهم “العداء الدائم” للغرب، رابطًا الاستقرار الاقتصادي بإعادة بناء العلاقات التجارية مع أوروبا والعالم العربي أكثر من استمرار المواجهة مع واشنطن. يتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها ملفًا أخلاقيًا سياسيًا مشروعًا، لكنه يرفض تحويلها إلى عبء استراتيجي دائم.
سابعًا: سيد محمد علي ابطحي (نائب رئيس الجمهورية الأسبق): من أبرز دعات الحوار مع الغرب. يُصنف من التيار التكتيكي، يقول إن إيران تبنّت طوال الأربعين سنة مبدأ دعم الكفاح الفلسطيني لأن إسرائيل كانت طرفًا احتلاليًا، لكنه شارك شخصيًا في اتصالات دبلوماسية سرية مع الأميركيين. يعتبر شطب “الطابور الخامس” من سياسات الجمهورية (أي قطع الحوار) سيؤدي لمزيد من الاضطرابات الداخلية.
ثامنًا: علي مطهري (نائب برلماني سابق ورجل دين معتدل): حالة وسطية بين التيار المحافظ والإصلاحي، انتقد بوضوح ثلاثية “الأميركي اللعين، والصهيوني الكافر، والفساد الداخلي”، واعتبرها تحوّلًا
إلى خطاب تعبوي فارغ يعجز عن تقديم حلول واقعية للأزمات. يرى مطهري أن شريحة واسعة من الشباب الإيراني “سئمت السياسة الفارغة” وتطالب بأولويات معيشية واقتصادية تتقدم على الشعارات الكبرى.
دعا مرارًا إلى “مراجعة الأولويات” في التعامل مع القضية الفلسطينية، بحيث لا تُهمَل معاناة الداخل الإيراني باسم دعم القضايا الخارجية. سياسيًا، يُنقل عن مطهري قوله إن كثيرين داخل إيران باتوا يؤيدون مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، وإن معارضي هذا التوجه “لا يستطيعون الوقوف في طريقه”.
تاسعًا: حسن روحاني (الرئيس المعتدل الأسبق): يُستدعى روحاني باستمرار بوصفه وجه معادلة “اتفاق مقابل رفع جزئي للعقوبات”. من الأصوات التي تدفع باتجاه انخراط حذر مع واشنطن بسبب ضغط الاقتصاد والعقوبات. لا يقدم نفسه كمتخلٍ عن فلسطين لكنه يميل إلى مقاربة أن خفض التصعيد مع واشنطن شرط للاستقرار. يقول صراحة “لا نريد حربًا عسكرية مع أميركا”. يحافظ على لهجة مُناصرَة للفلسطينيين على الصعيد الخطابي. في الذكرى الـ40 للثورة حذّر من “صحوة الشباب” ضد الطبقات المحكومة بالعداء المطلق.
عاشرًا: فريدون مجلسي (دبلوماسي سابق): تجمعه صلات عائلية بدوائر نافذة وقضى سنوات في السجن، ورد اسمه في سياق نقاشات صحفية حول “المصالحة/المرونة مع واشنطن”. يرى أن التصريحات الداعية للتفاوض يمكن أن تكون “بداية النهاية” للعداء مع الولايات المتحدة. يمثل نموذجًا لتيار “العقلانية الدبلوماسية” الذي يرى أن استمرار القطيعة يكلف إيران أكثر مما يكسبها.
الحادي عشر: علي أكبر صالحي (وزير الخارجية الأسبق): شغل منصب وزير الخارجية ورئاسة منظمة الطاقة الذرية، يذُكر باستمرار في الجدل داخل إيران بشأن الدعوة للتفاوض المباشر مع الولايات المتحدة. ليس من دعاة “إيران أولًا” بمعنى الانسحاب من فلسطين لكنه يمثل تيارًا يرى التفاوض أداة ضرورية لإدارة الضغط.
الثاني عشر: عباس عراقجي (وزير الخارجية): يقدم عراقجي تصريحات متتابعة تؤكد على أن الاتفاق النووي ممكن إذا تحلت واشنطن “بالواقعية”. خلال حرب يونيو 2025 نُقل عنه اتصالات هاتفية مباشرة مع المبعوث الأمريكي كجزء من محاولة إيجاد مخرج دبلوماسي. لا يعني هذا ميله بالضرورة إلى “المصالحة الشاملة” لكنه يدل على وجود قناة داخل الدولة ترى أن إدارة التوتر مع واشنطن ضرورة لتجنب الأسوأ.
الثالث عشر: كمال خرازي (وزير خارجية أسبق ومستشار للمرشد): يؤكد خرازي، بصفته مستشارًا للمرشد ووزير خارجية أسبق، استعداد إيران لمفاوضات غير مباشرة مع الولايات المتحدة. تُستخدم هذه صيغة عندما يكون التفاوض مطلوبًا لكن كلفة النسخة “المباشرة” منه مكلفة سياسيًا. يمثل خرازي نموذجًا لشخصية من دائرة عليا تعطي إشارات “الإمكان” دون تجاوز الخط الأحمر بالكامل.
الرابع عشر: سعيد ليلاز (محلل اقتصادي إصلاحي): محلل اقتصادي قريب من الإصلاحيين، يقول إن إيران كانت حريصة على العمل نحو وقف إطلاق النار في غزة لتجنب حرب شاملة والحصول على حوافز. أشاد بموقف “عدم التدخل في الحرب بجانب حماس” كي لا تقع إيران في فخ نتنياهو. تندرج مواقفه في تيار تقليص كلفة فلسطين وغزة.
الخامس عشر: كوروش أحمدي (محلل سياسي): يرى أن إيران حاولت منذ بداية حرب غزة تحقيق هدفين: عدم الدخول في الحرب ووقف الهجوم الإسرائيلي على غزة. دائمًا ما يلتقط أحمدي توازنًا يميل إليه نخبة “العقلانية” في إيران: دعم سياسي للقضية مع خفض المخاطر المباشرة على إيران.
السادس عشر: عباس عبدي (منظر سياسي للإصلاحيين): أحد أبرز منظري التيار الإصلاحي، من أكثر الأصوات وضوحًا في نقد كلفة السياسات الإقليمية على الداخل الإيراني. لا يتحدث عن الانسحاب من فلسطين، لكنه يلح على هذا السؤال: ماذا جنى الإيرانيون من سياسات المواجهة المفتوحة؟ يضع تحسين العلاقة مع الغرب، بما فيه الولايات المتحدة، في صلب أي مشروع إنقاذ اقتصادي اجتماعي. أهميته أنه ينقل شعار “إيران أولًا” من الشارع إلى لغة نخبوية عقلانية.
السابع عشر: مير حسين موسوي رئيس وزراء إيران (1981–1989): يمثل حالة رمزية معقدة: رجل من قلب النظام الثوري لكنه تحول بعد 2009 إلى ناقد جذري للدولة. في بياناته السياسية، يبرز رفضه لاستخدام الصراعات الخارجية لتبرير الفشل الداخلي، مع تركيز على السيادة الشعبية والكرامة الوطنية.
لا يدعو إلى مصالحة مع واشنطن ولا إلى الانسحاب من فلسطين، لكن خطابه يضع حدودًا أخلاقية وسياسية لتصدير الأزمات.
الثامن عشر: سعيد حجاريان (منظر ومفكر إصلاحي): من أهم العقول السياسية المنظِّرة للإصلاح، من أوائل الذين طرحوا فكرة أن الصدام المباشر، داخليًا وخارجيًا، غير قابل للكسب، وأن البديل هو تفكيك الصدام عبر التدرج والمرونة وإعادة ترتيب الأولويات.
يقدم تصورًا للدولة بوصفها منظومة مصالح لا ساحة مواجهة أيديولوجية دائمة، يرى أن استمرار التوتر مع الولايات المتحدة يغلق أي أفق لإصلاح داخلي حقيقي؛ لذلك يندرج بوضوح ضمن تيار فك الاشتباك مع واشنطن كشرط لازم لأي تحول سياسي أو اقتصادي. في ما يتصل بالقضية الفلسطينية، فلا يطرح حجاريان خطابًا انسحابيًا، لكنه ينتقد تحويل السياسة الخارجية إلى أداة تعبئة داخلية دائمة.
التاسع عشر: حسن خميني (رجل دين إصلاحي وحفيد المؤسس): يمثّل حسن خميني أحد أهم الجسور الرمزية بين الهوية الثورية للجمهورية والخطاب الإصلاحي الداعي إلى تخفيف العزلة. رغم تجنبه الخوض في تفاصيل العلاقة مع الولايات المتحدة، عبّر عن دعمه لمسار التفاوض النووي وانتقد منطق القطيعة الدائمة والعزلة الدولية، معتبرًا أن الحفاظ على النظام لا يتناقض مع إعادة تعريف علاقته بالعالم. أهميته لا تكمن في مواقفه، بل في رمزيته العالية، بوصفه صوتًا إصلاحيًا يصدر من داخل الشرعية الثورية نفسها.
العشرون: عبد الناصر همتي (محافظ البنك المركزي السابق ومرشح رئاسي سابق): من أبرز ممثلي تيار “الاقتصاد أولًا”، قدّم خلال توليه مناصب تنفيذية ثم في حملته الانتخابية، خطابًا يربط إنقاذ الاقتصاد الإيراني بإنهاء الصدام المزمن مع الولايات المتحدة.
تحدّث صراحة عن كلفة العقوبات، وانتقد وهم التعويض عبر التوجه شرقًا، معتبرًا أن استمرار القطيعة مع واشنطن يغلق أي أفق للاستقرار المالي والنقدي. يتعامل مع السياسة الخارجية من زاوية وظيفية، ترى أن تخفيف التوتر مع الغرب شرط لازم لوقف التدهور المعيشي.
الحادي والعشرون: علي لاريجاني (رئيس سابق للبرلمان ومفاوض نووي سابق): يُعد من أبرز الشخصيات البراغماتية، لعب أدوارًا في إدارة الملف النووي والتواصل مع الغرب في مراحل حساسة.
رغم انتمائه إلى التيار المحافظ، يتبنّى مقاربة واقعية ترى أن الصدام المفتوح مع الولايات المتحدة يضر بمصالح الدولة، وأن التفاوض أداة ضرورية لإدارة التوازنات الدولية. لا يدعو لاريجاني إلى مصالحة أيديولوجية مع واشنطن، ولا يتبنى خطابًا انسحابيًا من القضية الفلسطينية، لكنه ينظر إلى هذه الملفات من منظور الدولة لا التعبئة، ويرى أن الإفراط في العداء يحدّ من هامش المناورة. أهميته تكمن في كونه شخصية تمتلك مصداقية داخل مؤسسات النظام، وقادرة على تسويق منطق التسوية بوصفه خيارًا سياديًا لا تراجعًا سياسيًا.
الثاني والعشرون: إسحاق جهانغيري (نائب رئيس جمهورية سابق): يُعد أحد أبرز ممثلي الجناح التنفيذي الإصلاحي، تميّز خلال فترة توليه منصبه بجرأة سياسية فاقت، في بعض المحطات، خطاب الرئيس نفسه. ربط جهانغيري بشكل مباشر بين تفشي الفساد البنيوي واستمرار العقوبات، منتقدًا خطاب الصدام الخارجي بوصفه غطاءً لإخفاقات داخلية أكثر مما هو خيارًا استراتيجيًا محسوبًا.
الثالث والعشرون: حسين دهقان (وزير دفاع سابق ومستشار للمرشد): يمثّل حسين دهقان أحد الأصوات النادرة من داخل المؤسسة العسكرية التي تميل إلى مقاربة واقعية في إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة.
تحدث دهقان عن ضرورة الوصول إلى “تسوية محسوبة” مع واشنطن، مؤكدًا أن الصدام المفتوح ليس قدرًا حتميًا ولا خيارًا استراتيجيًا دائما. لا يطرح دهقان خطابًا تصالحيًا بالمعنى السياسي أو الأيديولوجي، ولا يدعو إلى التخلي عن منطق الردع، لكنه يميّز بوضوح بين إدارة الصراع وضبطه، وبين الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. تكمن أهميته في كونه صوتًا من داخل الدائرة الأمنية – العسكرية، ما يمنح هذا الطرح وزنًا خاصًا.
الرابع والعشرون: مسعود پزشکیان (رئيس الجمهورية منذ 28 يوليو 2024): يمثّل – داخل البنية الرسمية – واجهة “التهدئة والانفراج المشروط. ربطٌ أوضح بين إنقاذ الاقتصاد وتخفيف العزلة، ومحاولة إدارة الاشتباك مع واشنطن ضمن سقف النظام لا خارجه.
أهميته أنه ليس “معلّقًا” بل رأس السلطة التنفيذية التي تتحمّل كلفة العقوبات يوميًا، ما يجعله جزءًا مباشرًا من تيار تخفيض التصعيد بدافع المصلحة الداخلية.
الخامس والعشرون: محمد رضا عارف (النائب الأول للرئيس في حكومة پزشکیان): يمثّل العقل التنفيذي داخل الفريق الإصلاحي/البراغماتي،
يُستخدم عادةً كـجسر مؤسسي بين خطاب الانفتاح وحسابات الدولة العميقة. إدراجه يكمّل الخريطة لأن كثيرًا من سياسات “تخفيف الضغط” تُدار عمليًا عبر النائب الأول وشبكات الإدارة الاقتصادية البيروقراطية.
السادس والعشرون: أحمد زيدآبادي (صحافي ومفكر سياسي): سُجن لسنوات بعد 2009، ويُعد من أكثر الأصوات صراحة في القول إن: العداء مع واشنطن بلا أفق واقعي وإن ربط شرعية النظام بالصراع مع أميركا وصفة لانهيار داخلي بطيء. لا يستخدم زيدآبادي لغة دبلوماسية؛ بل يهاجم منطق “العدو الدائم” بوصفه أداة ضبط داخلي لا سياسة خارجية. خطابه يتجاوز الإصلاحيين التقليديين ويقترب من طرح نزع القداسة عن الصراع.
السابع والعشرون: محمد رضا جلائيبور (أكاديمي): ناشط سياسي، يمثل جيلًا جديدًا داخل التيار الإصلاحي. يذهب أبعد من مجرد الدعوة للتفاوض، إذ يرى أن استمرار العداء مع واشنطن يفكك الطبقة الوسطى ويقضي على أي أفق استقرار. يعتقد أن الخطاب الثوري الخارجي بات منفصلًا عن المجتمع الإيراني وأن مصالحة إيران مع العالم، وفي القلب منه الولايات المتحدة، شرط لإعادة إنتاج الدولة لا مجرد تحسين صورتها.
أهميته أنه ينقل خطاب المصالحة إلى لغة اجتماعية جيلية، لا نخبوية فقط.
الثامن والعشرون: محمود صادقي (نائب برلماني سابق): عُرف بمواجهاته العلنية مع المؤسسات الأمنية. مواقفه تضمّنت: القول إن العداء مع أميركا غطاء لإفلات الفساد من المساءلة. إيران تخسر استراتيجيًا من القطيعة أكثر مما تخسره من أي تسوية. الدعوة الصريحة إلى مفاوضات مباشرة لا عبر وسطاء ولا بصيغ رمادية. خطابه أقل تنظيرًا من زيدآبادي، لكنه أكثر صدامية سياسية داخل المؤسسات.
التاسع والعشرون: بيمان مولوي (دكتور اقتصاد تخرج من جامعة إسكس في إنجلترا): لديه أكاديمية اقتصاد في طهران، يدعم بقوة الصلح الكامل مع أميركا ويرى الاقتصاد أولًا.
الثلاثون: عماد الدين باقي (صحفي ومفكر وناشط في حقوق الإنسان): معروف بمعارضته لعقوبة الإعدام ودفاعه عن حقوق السجناء. يرى أن العداء الدائم بين إيران وأمريكا يضر بالشعب الإيراني، ويدعو إلى الحوار وتخفيف التوتر، مع نقد سياسات الطرفين ورفض العقوبات لأنها تؤذي المواطنين أكثر من الحكومات.
الدلالات والنتائج
لا تشير هذه الخريطة إلى أن إيران قررت طيّ صفحة الصراع مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، ولا إلى تخليها عن القضية الفلسطينية. ما تكشفه هو شيء أدقّ، وهو وجود تحوّل تدريجي في عقل الدولة من منطق “الصراع المفتوح” إلى منطق “إدارة الكلفة”. هذا الفارق ليس لغويًا فقط، بل يعيد تعريف وظيفة السياسة الخارجية داخل النظام في إيران ويغيّر علاقة “الأيديولوجيا” بـ”الأمن القومي”، ويعيد ترتيب السلم بين ما هو مبدئي وما هو قابل للمساومة.
يقوم منطق الصراع المفتوح في إيران على افتراض أن الاشتباك مع الخصوم الكبار ليس مجرد خيار سياسي، بل مكوّن تأسيسي للشرعية وأداة لتكريس الهوية الثورية وتثبيت التماسك الداخلي عبر التعبئة المستمرة. وفق هذا المنطق، تتقدّم فكرة “الردع بالتصعيد” و”النفوذ عبر الاستنزاف” على فكرة “تقليل المخاطر”، ويصبح تراكم الجبهات جزءًا من هندسة القوة. بالنسبة لمنطق إدارة الكلفة، فهو لا يلغي الخصومة لكنه يعيد صياغتها بوصفها مشكلة يمكن ضبطها لا قدرًا دائمًا لا نهاية له.
هنا يتبدّل السؤال المركزي من كيف نكسب المعركة؟ إلى كيف نمنع تحولها إلى استنزاف استراتيجي؟ وتصبح وظيفة السياسة الخارجية حماية القدرة على الصمود الداخلي لا توسيع الاشتباك الخارجي. ويصبح تجنّب الحرب الكبيرة إنجازًا بحد ذاته، لا مجرد مرحلة انتظار.
هذا التحول لا ينتج عادةً عبر إعلان رسمي، لأن الإعلان يفرض كلفة داخلية على شرعية النظام وخطابه. لذلك يأتي بصيغة أكثر حذرًا وهي تعديل السقف بدل تغيير الاتجاه، وتكييف الأدوات بدل مراجعة المبادئ.
التحوّلات العميقة في الأنظمة العقائدية لا تُقاس بالوثائق، بل بما يمكن تسميته بـ “اقتصاد القول”، حيث لا يتم التركيز على ما يُقال علنًا بل على ما يقال بالتلميح. كذلك من يُسمح له بالقول ومن يُعاقَب أو يُهمَّش.
في الحالة الإيرانية أيضًا، سقف النقاش هو المؤشر الأكثر حساسية وأهمية، حين يصبح من الممكن سياسيًا تداول فكرة التفاوض المباشر أو تخفيف كلفة المحور أو عدم تحويل غزة إلى حرب إيران، فالمسألة هنا ليست مجرد انتقال من هامش الجرأة الفردية إلى مساحة النقاش. يكشف هذا الانتقال بأن النظام بدأ يتسامح، بدرجات متفاوتة، مع إعادة ترتيب العلاقة بين الأيديولوجيا والاقتصاد والأمن.
حين يكون هذا الخطاب محصورًا في معارضين أو إصلاحيين يمكن تفسيره بوصفه مجرد رغبة نخبوية. لكن اتساعه ليضم محافظين براغماتيين وخبراء اقتصاد وشخصيات ذات صلة بالمؤسسة، يعني أن التحول هو انعكاس لضغط بنيوي على الدولة. هنا يصبح الحديث عن التسوية مع واشنطن مقبولًا بوصفه أداة من أدوات البقاء لا مجرد شعار إصلاحي.
من المستبعد أن يقود هذا التحول إلى التخلي عن فلسطين، لكنه بالتأكيد سيفضي إلى تغيير وظيفة فلسطين في الاستراتيجية الإيرانية. لطالما كانت فلسطين جزءًا من هوية الدولة ورافعة شرعية خارجية وداخلية. في مرحلة إدارة الكلفة التي نحن بصدد التعرف عليها واختبار حدودها، تبقى فلسطين في الخطاب لكن يجري السعي إلى تحويلها من التزام مفتوح إلى ملف قابل للإدارة وفق ميزان الخسارة والربح.
هذا الانتقال داخل إيران له خطورته على بنية التوازن الداخلي داخل النظام. ولذلك، يجب أن يسير بحذر، كلما تقدّم منطق التسوية مع واشنطن والانسحاب من الخارج ومحور إيران الإقليمي، تصبح الدولة مضطرة إلى إعادة تعريف شرعية خطابها التعبوي وإلى إيجاد صيغة جديدة توازن بين الثورة والدولة دون أن تكسر أيًا منهما. ولهذا يأتي التحول بطيئًا ومحسوبًا، يتقدّم عبر اللغة قبل السياسة وعبر ضبط السقف قبل تغيير المسار.
كخلاصة، إيران لا تبدّل أيديولوجيتها، لكنها تعيد ترتيبها في توقيت صعب وداخل معادلة أكثر قسوة. ما يريده النظام هو المضي في عقلانية بقاء لا قطيعة مع الثورة، وهذا بالضبط ما يجعل التحول صامتًا وصعبًا، وهو يجعله في الوقت نفسه أكثر دلالة من أي إعلان رسمي.
