لم تعد حرب المعلومات في الخليج مجرد انعكاس لسياسات داخلية متعثرة، أو لتدخلات خارجية عابرة، أو حتى لارتدادات صراعات إقليمية كبرى. خلال السنوات الأخيرة، تحولت هذه الحرب إلى أداة صراع قائمة بذاتها داخل المنظومة الخليجية، تُدار وفق منطق مستقل وتُستخدم كوسيلة ضغط وإعادة تموضع لا تقل فاعلية عن الأدوات السياسية التقليدية.
ما كان يُدار سابقًا عبر القنوات الدبلوماسية المغلقة أو يُحتوى داخل هوامش تباين خجولة، يُدار اليوم في الفضاء الرقمي عبر دعاية مقنّعة، تسريبات وظيفية، وشبكات حسابات آلية، ضمن حملات تأثير ممنهجة ومدروسة. في هذا التحول، تغير تعريف الخصم وتغيرت أدوات الضغط نفسها، لقد اتسعت ساحة الاشتباك على نحو منفلت لتشمل الوعي العام بوصفه مجالًا قابلًا للتشكيل والإخضاع بكل ما هو متاح من وسائل تقنية ونفسية.
هذا التحول لا يمكن عزله عن السياق الإقليمي الأوسع، غير أنه تجاوز منطق التأثر السلبي إلى منطق الإنتاج الذاتي لحروب العبث بالإدراك وإعادة تشكيله. لم تعد دول الخليج تقف في موقع المتلقي للدعايات المتصارعة بين القوى الإقليمية، لقد أصبحت طرفًا فاعلًا في إنتاج بيئات تضليلية خاصة بها، تُستخدم لتعزيز النفوذ أو لرسم حدود الأدوار أو لإرسال رسائل سياسية غير معلنة عبر وسطاء لا يحملون صفة رسمية، لكنهم يتحركون ضمن هوامش محسوبة بدقة، ويعرفون متى يتقدمون ومتى يتراجعون.
يمثل الخلاف السعودي–الإماراتي الأخير حول اليمن نموذجًا كاشفًا لهذا الانزلاق من الخلاف السياسي إلى الاشتباك المعلوماتي. منذ تباين أولويات الرياض وأبوظبي في الملف اليمني، انتقلت الخلافات من مستوى التنسيق السياسي والعسكري إلى مستوى الصراع على السرديات. هذا الانتقال لم يُعلن بوصفه قطيعة، لكن جرى تفريغه في الفضاء الرقمي عبر حروب شيطنة، بلغة تتأرجح بين التحليل الجاد والتسريبات المفبركة، والهدف هو إعادة تعريف من يتحمل كلفة الفشل، ومن يمثل “العقلانية” و”الواقعية” في نظر الداخل والخارج معًا.
اليمن اليوم بات مختبرًا لحرب معلومات خليجية–خليجية. يكشف الخطاب الرقمي المتداول تصاعد حملات تشويه متبادلة، تُهاجم السياسات السعودية بوصفها استنزافًا مفتوحًا بلا أفق سياسي واضح، ويُنتقد الدور الإماراتي بوصفه مشروع تفكيك طويل المدى لوحدة اليمن. اللافت أن هذه الخطابات لا تصدر في الغالب عن وسائل إعلام رسمية أو بيانات حكومية مباشرة، وإنما عن شبكات حسابات آلية، ومؤثرين موجهين، ومنصات تحليل سياسي تقدم نفسها باعتبارها مستقلة، بينما تعكس في بنيتها اللغوية وخطاباتها المتشنجة اصطفافات سياسية واضحة.
غالبًا ما تُرفق هذه الحملات المتبادلة بين البلدين بوثائق مزورة أو بتسجيلات صوتية مجتزأة أو بمصادر مجهولة تُقدَّم على أنها تسريبات حصرية. هذه الحملات، وهي تستهدف البلدين في آن واحد، لا تسعى إلى كشف الحقيقة بقدر ما تهدف إلى تثبيت انطباع سياسي واجتماعي مشحون بالكراهية داخل النخب والجمهور. وغني عن القول إن جزءًا من هذه الحملات هو نتاج صناعة محلية خليجية، لا مجرد تدخلات خارجية.
لا تلجأ دول الخليج إلى هذا النمط من الاشتباك المعلوماتي إلا لإدراكها أن كلفة المواجهة المباشرة مرتفعة سياسيًا واستراتيجيًا. يوفر الفضاء الرقمي مساحة واسعة للمناورة والضغط من دون تحمل مسؤولية سياسية صريحة. حرب المعلومات هنا لا تُدار بهدف كسب الرأي العام الخليجي بوصفه كتلة واحدة، هي تُصمم لاستهداف شرائح نوعية بعناية، من صحافيين وباحثين وصنّاع رأي ومحللين، بما يضمن تسلل السردية إلى دوائر التأثير الأعمق، حيث تُصاغ المواقف وتُبنى الانطباعات طويلة المدى.
لا تستهدف هذه الحروب الإلكترونية الخليجية–الخليجية إسقاط الخصوم أو كسر التحالفات القائمة، لكنها تهدف إلى إعادة ضبط خطوط النفوذ وحدود الدور داخل منظومة تتسم بتداخل المصالح وتنافس الطموحات. في الحالة اليمنية، يتجلى ذلك في سعي كل طرف إلى تقديم نفسه بوصفه الأكثر براغماتية، والأقدر على حفظ الاستقرار الإقليمي، مقابل تصوير الطرف الآخر كعبء سياسي وأمني. هذه الخلاصات لا تُفرض دفعة واحدة، وإنما تُزرع تدريجيًا عبر حملات ممنهجة، وتسريبات إعلامية مدروسة، وحملات وتقارير انتقائية، تُضخ جميعها في فضاء رقمي مشبع بالبوتات وآليات التضخيم الاصطناعي.
ما يفاقم خطورة هذه التكتيكات أن الأدوات المستخدمة في هذه الحروب الإلكترونية هي ذاتها الأدوات التي تستخدمها القوى الخارجية. في هذا السياق، تفتح دول الخليج المجال واسعًا للاستثمار في بيئة مسمومة، مشحونة بمشاعر الكراهية والبغضاء، وقابلة للاختراق وإعادة التوظيف. المواد الملفقة، بما تحمله من محتوى تضليلي، تترك أثرًا تراكميًا حتى بعد كشف زيفها، وهو أثر يصعب محوه بالكامل من الذاكرة العامة أو من تصورات النخب.
يتقاطع هذا الاشتباك المعلوماتي الخليجي مع الصراع الأكثر سخونة في المنطقة، أي الصراع الإيراني–الإسرائيلي، من دون أن يذوب فيه. الأدوات واحدة، والمنصات واحدة، وأحيانًا الوسطاء الرقميون أنفسهم.
تقارير بحثية صادرة عن Citizen Lab أظهرت أن شبكات التأثير لا تعمل وفق اصطفافات أيديولوجية ثابتة، وإنما تنتقل بين ملفات وساحات تبعًا للجهة الممولة والهدف المرحلي. هذا يعني أن البنية التحتية للتضليل التي استُخدمت ضد إيران أو لصالحها يمكن إعادة توظيفها بسهولة في صراعات خليجية داخلية، مع تعديل طفيف في اللغة والرسائل.
الأكثر إشكالية أن الخليج يخوض هذه الحروب المعلوماتية في غياب أي إطار تنظيمي أو أخلاقي مشترك. مجلس التعاون، الذي أخفق سابقًا في احتواء أزمة 2017 قبل انفجارها، لا يمتلك حتى اليوم آلية جماعية لإدارة النزاعات الرقمية أو لضبط الخطاب المتبادل بين دوله. والنتيجة هي فضاء مفتوح تُدار فيه الخلافات تحت السطح، غير أن أثرها يتراكم بعمق في وعي المجتمعات، وفي صورة الدول الخليجية لدى بعضها البعض، وفي تصورات النخب الخارجية عن تماسك الإقليم.
يجدر تحذير دول الخليج بأن التداعيات قد تتجاوز حدود العلاقات البينية لتطال الداخل الوطني لكل دولة. فحين تتطبع المجتمعات الخليجية على خطاب التشكيك والتخوين والتسريب، حتى عندما يكون موجّهًا إلى “شريك خليجي”، يصبح هذا الخطاب قابلًا لإعادة التوجيه نحو الداخل في أي أزمة سياسية أو اقتصادية. ما يُستخدم اليوم لتصفية خلاف خارجي قد يتحول غدًا إلى أداة لتصفية حسابات داخلية. في هذا المعنى، لا تبدو حروب المعلومات الخليجية مجرد أدوات سياسية ظرفية، هي في حقيقتها مخاطرة تمس استقرار الدول نفسها.
المتوقع أن يتصاعد هذا النمط من الصراع في ظل ثلاثة عوامل متداخلة. أولاً، استمرار التنافس الجيوسياسي داخل الخليج. ثانيًا، تعقّد الملفات الإقليمية مثل اليمن والسودان والصومال وملف الإخوان المسلمين. وأخيرًا، تراجع قدرة المنصات الرقمية على ضبط هذه الحملات أو احتوائها. إلى ذلك، يدفع غياب قنوات سياسية فعالة لإدارة الخلافات نحو استخدام الفضاء الرقمي بوصفه بديلًا غير معلن عن الدبلوماسية.
في ضوء ذلك، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن الخليجي ليشمل الأمن المعلوماتي البيني بوصفه عنصرًا مركزيًا في استقرار الإقليم. هناك تحدي حقيقي يتمثل في ضبط الاستخدام الخليجي ذاته لأدوات التضليل، وفي منع تحول الخلافات السياسية إلى حروب إدراك تُدار على حساب المجتمعات ووعيها.
أخطر ما في حرب المعلومات الخليجية هو أنها تُخاض باسم الواقعية والحقيقة والصالح العام، بينما تُنتج على المدى المتوسط بيئة رخوة يسهل على القوى الخارجية اختراقها وتوظيفها.
تواجه دول الخليج خصومًا يستخدمون الذكاء الاصطناعي والبوتات والتزييف الممنهج، وتواجه في الوقت ذاته نفسها حين تسمح بتحويل هذه الأدوات إلى لغة طبيعية لإدارة الخلاف داخل البيت الخليجي. هنا تصبح معركة السيادة، لا ضد الخارج وحده، وإنما داخل البيت الخليجي ذاته.
